الرقم السرّي غير صحيح

01 سبتمبر 2019
الصورة
خيّل إليه، وهو يلفظ آخر أنفاسه، أنه سمع النداء نفسه المنبعث من تلك الأجهزة الإلكترونية اللعينة، كلما أدخل فيها أرقامه السرّية: "عذرًا.. الرقم الذي أدخلته غير صحيح.. حاول مرة أخرى"، غير أن الصوت سرعان ما ذوى، أما هو فقد همد جسُده، وعلى وجهه فلول غصةٍ لاحقته طوال حياته: أن يعرف الرقم السرّي الصائب.
عمومًا، لم يكن صاحبنا قبل ذلك من المولعين بالأرقام السرّية وألغازها. هو الذي يمقت فكرة الرقم منذ أول جدول ضرب طولب بحفظه على مقاعد الدراسة، ثم تفاقم امتعاضه، حين تحوّل هو نفسه إلى "رقم وطني"، وفق مشيئة مديرية الأحوال المدنية التي رأت ضرورة ترقيم السكان، لغايات الحصر والإحصاء. وكم حاول الحفاظ على مسافة أمانٍ تُقصيه عن الأرقام، غير أنه لم يستطع الصمود طويلًا، حين أصبح الرقم أساس كل شيء، وخصوصًا الرقم السريّ لبطاقة الصرّاف الآلي التي حصل عليها نظير تحويل راتبه إلى أحد البنوك، وليس لتمتّعه بادخار أو ثروة. ولأن ذاكرته لم تكن تحتمل الأرقام، لم تفلح سائر محاولاته في إدخال رقمه السريّ في تلك الآلة اللعينة، وخصوصًا عندما تكرّر هذه عبارتها: "عذرًا.. الرقم الذي أدخلته غير صحيح.. يرجى المحاولة مرة أخرى".
تبدّل كل شيء بغتة في مفاهيم صاحبنا، فأصبح مولعًا بالأرقام السريّة، ولا يُشاهَد إلا وهو منكبٌّ على لوحة المفاتيح لحاسوبه الشخصي، يضغط أرقامًا تلو أرقام، ويهزّ رأسه بخيبةٍ بالغة كلما تناهت إلى سمعه العبارة المعهودة: "عذرًا.. الرقم الذي..". ويُعزى سبب هذا التحول المباغت بداية، إلى فخامة الرئيس الذي خطرت في ذهنه الفارغ فكرةٌ من بنات السأم الذي كان يلازمه أخيرًا، بعد أن استتبّت له أمور القمع والكبت، فأخرس كل صوتٍ مناوئ في بلدٍ لم تعد تُسمع فيه غير أصوات صراصير الليل، فقد ارتأى فخامته أن يمنح السجناء فرصةً للحرية، عبر تخصيص رقم سريّ لكل واحد منهم، يتيح له فتح أبواب الزنازين، والخروج منها، إذا أسعفه الحظ، واختار الرقم الصحيح في آلةٍ موضوعةٍ على باب زنزانته. وقد شاء سوء طالع صاحبنا أن يكون نزيلًا في إحدى تلك الزنازين، إبّان صدور مرسوم "الحرية" ذاك، فأصابته حمّى معرفة الرقم الفاصل بين السجن والحرية، وراح من فوره يحشو كل رقمٍ يخطر في باله في الآلة بلا جدوى، فيزداد امتعاضه مع كل صدى يأتيه من تلك الآلة: "عذرًا أخي السجين.. الرقم الذي أدخلته خطأ.. حاول في العام المقبل". وفي النهاية، اضطرّ لقضاء فترة سجنه كاملة.
وعندما بارح صاحبنا السجن بعد سنوات، لم يعد الشخص نفسَه مطلقًا، فقد أصيب بمتلازمة الرقم السريّ لتصريف شؤون حياته كلها. والغريب أن النتائج جاءت منسجمةً مع أرقامه الخطأ، حتى في أبسط محاولاته، فكان إذا نوى أن يحتفل بالأعياد مثلًا، يُدخل رقمًا سريًّا يعتقد أنه سيكون جواز مروره إلى البهجة، ولكن سرعان ما يأتيه الصوت إياه: "المعذرة أخي المواطن.. الرقم الذي أدخلته خطأ، يرجى المحاولة في العيد المقبل". وبالفعل يكون عيده وخيمًا. وانسحب الأمر نفسُه على الوظائف التي تقدّم إليها وأخفق، وعلى مشاريع الحب والزواج، وعلى حرياتٍ لم يستطع نيْلها.
أخيرًا، حين بلغ صاحبنا مشارف اليأس المطبق من تلك الحواسيب الصغيرة التي خذلته كلها، اتجه مباشرةً إلى حاسوب الحياة الضخم، وفي ذهنه أنه سينجح هذه المرة في اقتحام الحياة من أوسع أبوابها، على قاعدة أن هذا الرقم السرّي تحديدًا، سيبزّ سائر تلك الأرقام التافهة وينسخها جميعًا.
أما الخاتمة المعروفة لرجلٍ لم يكن مغرمًا بالأرقام كلها، فتروي أنه أصيب بسكتةٍ قضت على قلبه المنهك، ولم يكن يسمع غير صدى آلة الحياة الضخمة يهدر في أذنه: "عذرًا .. لقد استنفدت جميع محاولاتك للحياة.. وداعًا".