الرقة... مدينة الرشيد تنتظر المجهول

الرقة... مدينة الرشيد تنتظر المجهول

29 مارس 2017
الصورة
تقف الرقة اليوم بين خيارات صعبة (أليس مارتينز/Getty)
+ الخط -
لم يكن أشد المتشائمين من أبناء محافظة الرقة في شرقي سورية يعتقد أن تصل إلى هذا المصير الذي يتأرجح بين المأساة والكارثة متعددة الأبعاد، في ظل صراع دام ومحتدم بين عدة قوى على هذه المحافظة التي عاقبها النظام طوال عقود بالإهمال، ويعاقبها العالم اليوم لذنب لم يقترفه أبناؤها.
تقع مدينة الرقة إلى الشرق من دمشق بنحو 500 كيلومتر، وتعد مع ريفها مترامي الأطراف رابع كبرى المحافظات لجهة المساحة، حيث تبلغ جغرافيتها نحو 20 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل أكثر من 10% من مساحة سورية.
وتمتد المحافظة على مساحة أكثر من 150 كيلومتراً من الغرب للشرق، وعلى مساحة 200 كيلومتر من الشمال إلى الجنوب، حيث تصل حدودها إلى قلب بادية الشام، وتضم المحافظة عدة مدن وبلدات كبرى، أبرزها مدينة الرقة مركز المحافظة، ومدينة الطبقة التي تقع إلى الغرب من الرقة بنحو 50 كيلومتراً، وهي الأكثر أهمية لكونها تضم سد الفرات الذي يحتجز بحيرة طولها يصل الى 80 كيلومتراً وعرضها في بعض المواقع أكثر من 5 كيلومترات، ومدينة تل أبيض التي تقع الى شمال الرقة بنحو مائة كيلومتر على الحدود السورية التركية، وتسيطر عليها مليشيا الوحدات الكردية منذ منتصف عام 2015، إثر انتزاع السيطرة عليها من تنظيم الدولة الإسلامية بدعم من طيران التحالف الدولي.
يشكّل العرب الغالبية المطلقة من سكان الرقة، وهم يفتخرون بانتمائهم إلى عشائر عربية معروفة سكنت منطقة وادي الفرات، والبادية الشامية قبل وبعد الفتح العربي لهذه المنطقة عام 18هـ/639م. ومن أبرز هذه العشائر: العجيل، والبوجابر، والبو خميس، والعفادلة، والنعيم، والبقارة، واعنزة، والمجادمة، واللهيب، وشمّر، وطي، وسواها من عشائر. تضرب مدينة الرقة، ومناطق بقربها، مثلها مثل أغلب المدن السورية، جذورها عميقا في التاريخ، فهي كما تؤكد مصادر من أقدم بقاع الأرض التي سكنها الإنسان، وأنشأ فيها أولى الحضارات الإنسانية، حيث أقيم إلى الشرق منها بعد كيلومترات في منطقة تل البيعة أول تجمع سكاني في الألف الرابع قبل الميلاد يُعرف بـ "مملكة توتول"، دمّرها حمورابي بعد ذلك. وفي القرن الثالث قبل الميلاد، بنى سلوقس الأول المدينة مرة أخرى، وأولاها اهتمامه، وتحولت إلى قاعدة عسكرية متقدمة في العصر الروماني إبان الحروب مع الفرس.
بالقرب من مدينة الرقة جرت وقائع معركة فاصلة، ومعروفة في التاريخ العربي الإسلامي وهي معركة "صفين" في ذروة الخلاف بين الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب، وبين معاوية ابن أبي سفيان الذي كان واليا على الشام في حينه، وقتل في المعركة الصحابي عمار بن ياسر ودفن في الرقة، ولا يزال قبره معروفا إلى يومنا مع قبر صحابي آخر هو أويس القرني.
ازدهرت الرقة وريفها في العهد الأموي، وخاصة أيام الخليفة هشام بن عبد الملك الذي اتخذ من الرصافة جنوب غربي الرقة بنحو 40 كيلومتراً مستقرا، ولا تزال آثار قصوره موجودة حتى وقتنا الراهن. ومن الرقة انطلق صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية بن هشام في رحلته الأسطورية باتجاه الأندلس والتي انتهت بدخوله منفردا إليها، ثم استطاع بعد ذلك تولي أمرها معيدا أمجاد بني أمية استمرت قرونا من بعده. لكن العصر الذهبي للرقة كان إبان الخلافة العباسية حين أمر أبو جعفر المنصور ببناء مدينة بالقرب من الرقة سماها الرافقة على شاكلة بغداد، احتوت بعد ذلك المدينة القديمة. وأولى الخليفة هارون الرشيد اهتماما متميزا بالرقة بسبب جوها الساحر، حيث كانت بمثابة العاصمة الصيفية للخلافة العباسية برمتها، ونافست بغداد بالازدهار الثقافي والاقتصادي.
ولا تزال آثار الحقبة العباسية موجودة حتى الراهن، وخاصة السور الذي أمر ببنائه المنصور، وبعض بوابات المدينة ولاسيما بوابة بغداد. ويحتفظ الرقيون إلى الآن باحترام وتقدير خاصين لهارون الرشيد فربطوا مدينتهم به، حيث يُطلقون عليها تسمية "الرقة.. مدينة الرشيد"، والتي عانت مع ضعف الدولة العباسية من الكثير من الكوارث أبرزها غزو تيمورلنك لبلاد الشام عام 1371 للميلاد، حيث دمّر الرقة وشرد أهلها، ما أدى إلى تلاشيها ردحا طويلا من الزمان.
خلال العصر العثماني في سورية، والذي امتد أربعة قرون كانت الرقة مجرد قرية، وبقيت على هذه الحالة حتى منتصف القرن العشرين، حين بدأت تكبر حتى باتت مدينة جذبت إليها سوريين من عدة مناطق. في بداية الستينيات أصبحت الرقة محافظة بعد أن كانت مرتبطة بدير الزور، وبدأت المدينة بالازدهار التدريجي مستفيدة من المشاريع الزراعية الهامة التي ظهرت في المحافظة إثر بناء سد الفرات في سبعينيات القرن الفائت والذي شكّل نقلة كبيرة في حياة المحافظة برمتها. لكن الرقة لم تنل اهتماما من النظام رغم كونها إحدى سلال سورية الغذائية، فهي محافظة زراعية بامتياز، كما تضم جانبا كبيرا من الثروة الحيوانية في سورية، فضلا عن وجود ثروة نفطية كبيرة في أراضيها بعمق البادية الشامية.
في عقد التسعينيات من القرن الفائت تعرضت محافظة الرقة لموجة جفاف كبرى دفعت عددا كبيرا من شبابها إلى الخروج منها بحثا عن الرزق، في مدن سورية أخرى، وفي الأردن ولبنان ودول الخليج العربي.
مع انطلاق الثورة السورية في عام 2011، انخرطت الرقة فيها ولكن ليس بالقدر الكافي، غير أنها كانت أول محافظة تخرج عن سيطرة النظام في عام 2013، لكنها سرعان ما وقعت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في بداية عام 2014، لتبدأ المرحلة الأسوأ في تاريخ الرقة الحديث. فرض التنظيم قوانينه المتشددة على الرقيين المعروفين بتمسكهم بالعادات والتقاليد العربية البعيدة عن التطرف، ما أدى الى مغادرة عدد كبير من مثقفيها وأطبائها، وكوادرها المختلفة، وخاصة أن التنظيم قام بقتل واعتقال أغلب نشطاء الثورة. تعرضت الرقة على مدى أكثر من ثلاثة أعوام لقصف جوي من طيران النظام، وطيران التحالف، والطيران الروسي، وهو ما أدى إلى مقتل، وتهجير عشرات آلاف المدنيين، فضلا عن الدمار الذي نال مرافقها الحيوية.
تقف الرقة اليوم بين خيارات صعبة، وخاصة أن الحملة التي يقودها التحالف الدولي لاستعادة السيطرة عليها، تؤدي إلى كوارث ومجازر تطاول المدنيين من أبناء الرقة والنازحين إليها، كان آخرها مجزرة المنصورة حيث أدى قصف طيران التحالف لمدرسة تضم نازحين إلى مقتل وإصابة المئات. تتنظر الرقة المجهول، وهي عاجزة عن تغيير مصيرها الذي بات يتحكم به الطارئون، وتحن بأسى إلى أيام كانت فيها مهملة منسية، ولكنها كانت خالية البال، راضية. تعتز الرقة بأنها أنجبت واحدا من أهم الأدباء والأطباء والسياسيين السوريين خلال القرن المنصرم وهو عبد السلام العجيلي الذي توفي في عام 2006، قبل أن يرى مدينته وهي تواجه المصير الموجع. وزار الشاعر السوري البارز نزار قباني ذات يوم مدينة الرقة، فسحره ليلها، فقال ممازحا صديقه العجيلي: أعطني ليل الرقة، وخذ نساء دمشق.

المساهمون