الرجوب والعاروري .. إلى أي اتجاه؟

13 يوليو 2020
الصورة

من الطبيعي أن تتوسّع التحليلات والتكهنات لمستقبل العلاقة الفلسطينية الفلسطينية، بعد المؤتمر الصحافي لأمين سر حركة فتح، جبريل الرجوب، ونائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، صالح العاروري. ولعل في الاهتمام الإسرائيلي الواسع بهذا اللقاء دلالة على نظر القادة الإسرائيليين بجدية وأهمية إليه. ويبدو من متابعات ما قيل في المؤتمر الصحافي ما بين رام الله والضاحية الجنوبية من بيروت أن الأمر ليس اختراقاً سياسياً أو ميدانياً، بل محاولة تجاوز الطرق والخطوات التصالحية التي فقدت ثقة الشعب الفلسطيني، والتركيز على ما هو ضروري وأساسي، وهو مقاومة الاحتلال. لم يعبّر اللقاء عن اتفاق على حل سياسي معين، ولم يقدم جدول أعمال لعودة رام الله إلى غزة أو غير ذلك. ولكن لقاء قادة مناضلين معروفين بسجلهم النضالي في سجون الاحتلال، أو في إدارة ملفات المقاومة في غزة، قد يعكس، للوهلة الأولى، اتجاهاً نضالياً عنفياً، ولكن دروس العقود الماضية علمت الجميع دروساً مهمة، أن أدوات النضال وتوقيتها يجب أن يتم الاتفاق عليهما بعناية، وأن يكون تنفيذ أي شكل من النضال منوطاً بتأييد شعبي حقيقي، واستعداد لدفع الثمن، والتضحية على كل المستويات، كما يتطلّب معرفة دقيقة بالأوضاع الإقليمية والدولية، وما هو ممكن وما هو غير ممكن، فالنضال العنيف قد يجلب بعض النتائج المؤقتة، ولكنه أحياناً يعطّل النتائج طويلة الأمد. ويعلم الجميع أن من نتائج المقاومة العسكرية في غزة إعادة تموضع للاحتلال أكثر شدّة على الشعب من الاحتلال المباشر. وفي الوقت نفسه، أثبتت طريق المفاوضات، في غياب أي شكل من النضال الحقيقي، بما فيه الشعبي، عدم قدرتها على تحقيق مكاسب طويلة الأمد، على الرغم من أنها حسّنت مكانة الشعب الفلسطيني عالمياً، وقللت من التكلفة والثمن الباهظ على الشعب.
إذاً، السؤال المهم هو: أي اتجاه يعكسه لقاء الرجوب والعاروري؟ هل هو اتجاه إلى مزيد من العنف والعمليات العسكرية، فصائلية كانت أم عمليات مشتركة؟ أم هناك اتفاقٌ جادٌّ بشأن تبنّي ما قبله القادة شفوياً، ولم يطبق عملياً، الكفاح الشعبي غير العنيف؟ أي هل سنرى توجّهاً فتحاوياً باتجاه الأعمال العسكرية، أم سنرى عملاً حمساوياً فتحاوياً باتجاه النضال الشعبي؟ قد يكون الجواب خليطاً من هذه الأفكار، فقد تكون هناك زيادة مرحلية في النضال الشعبي، مع التهيؤ لتفاهم مستقبلي بشأن أي تغيير في أساليب الكفاح.

ليس اختراقاً سياسياً أو ميدانياً، بل محاولة تجاوز الخطوات التصالحية التي فقدت ثقة الشعب الفلسطيني، والتركيز على الأساسي، مقاومة الاحتلال

خاض الرجوب وآخرون في الانتفاضة الأولى عملية الكفاح اللاعنفي، وسجل ذلك نتائج قوية. وقد يكون مسار النضال الشعبي أكثر ملاءمة في الفترة المقبلة، بسبب توقف التنسيق الأمني، ما يعني، بالضرورة، ضعفاً للإدارة المركزية الفلسطينية. وسيعتمد النضال الشعبي على إعادة هيكلة اللجان الشعبية، والاعتماد الذاتي أكثر بكثير من السابق، علماً أنه قد يكون للحكومة المركزية في رام الله دور داعم لتلك اللجان، إذا ما تم التنسيق بينهما، لما هو في المصلحة العليا للشعب الفلسطيني.
مؤكّد أن أدوات النضال المختلفة متوفرة، ويبقى المهم حسن استخدامها، والتنسيق بينها، وإعادة الثقة بين الفرقاء وبين القيادة والشعب، والتي انهارت في السنوات الأخيرة. ليس الأمر سهلاً، ولكن ثمّة ضرورة التوصل إلى استراتيجيات وحدوية متفق عليها، بعيداً عن مشاحنات المرحلة السابقة، فقد أصبح هذا في غاية الأهمية، إذ إن الخطر على الأهداف الوطنية وعلى المستقبل الفلسطيني أصبح واضحاً وضوح الشمس، مع وضوح وجود دعم دول ومؤسسات كثيرة، وكذا نشطاء كثيرين في العالم، الحق الفلسطيني، وذلك يجب ألّا يحدث أي أمر يضر تلك التحالفات الجديدة التي تتم يومياً على المستويات كافة.

قد يكون مسار النضال الشعبي أكثر ملاءمة في الفترة المقبلة، بسبب توقف التنسيق الأمني، ما يعني، بالضرورة، ضعفاً للإدارة المركزية الفلسطينية

لقد أطلق جبريل الرجوب وصالح العاروري شرارة وحدة وطنية ميدانية، طال انتظارها. ولكن ما لم يتم إعلان عنه حالياً، وقد لا يكون الإعلان عنه ضرورياً، هو التوجه الوطني القادم؟ هل نحن على عتبة العودة إلى الأعمال العسكرية أم ارتفاع ملحوظ في النضال الشعبي؟ تحتاج هذه الأسئلة إلى إجابة، كي يستعدّ الشعب للتضحيات التي تطلبها الاستراتيجية المقبلة، والتي قد تحتاج تغييراً في الرموز، وليس فقط في السياسات، فضرورة إدخال دماء قيادية جديدة أصبحت أمراً لا يمكن التأخر فيه. وعلى القادة أن يعوا أن وحدتهم لن تكون ذات جدوى، ما لم تتم مصاحبتها بتغيير جذري في التعامل مع الشعب، يأخذ رأيهم بكل الأمر، ويحصل، في المقابل، من الشعب الدعم والتأييد.

أطلق الرجوب والعاروري شرارة وحدة وطنية ميدانية، طال انتظارها. ولكن ما لم يتم إعلان عنه حالياً، وقد لا يكون الإعلان عنه ضرورياً، هو التوجه الوطني القادم

لن يستطيع العاروري أو الرجوب، ولا "فتح" و"حماس"، القيام بأي فعالية، منفردين أو مجتمعين، ما دامت تبتعد عن العودة إلى الشعب، وهو مصدر قوتها، وأساس فعّال لأي عمل يأمل منه الشعب الفلسطيني أن ينجح في تحرير وطنهم، والخروج من المأزق الحالي إلى توجه يعكس آمال هذا الشعب الجبار وطموحاته، وقد ضحى بالكثير، ويحق له المشاركة الفعالة بمصيره.