الرجل الذي انتصر على الضبع

الرجل الذي انتصر على الضبع

17 مارس 2019
+ الخط -
توقفَ صديقُنا أبو زاهر (في حديثه عن تجربة الاعتقال في سنة 1980) عند تَمَسُّك حافظ الأسد بفكرة لئيمة جداً، وهي إبقاء السجين في السجن أطول فترة ممكنة، وذلك لكي يتربى هو، وأهلُه، وأبناءُ قريته ومحافظته، ويأخذ الشعب السوري درساً مفاده ألا يظن أحدٌ أن معاداة نظام الأسد تنقضي بسهولة، بل إنها أصعب من الموت نفسه.

قلت: والله يا شباب، سيرة السجون السورية بتشبه سيرة الضبع. في مجالس أهل الريف الشتائية، لما بيكون صوت المطر والريح ولمع البرق وقصف الرعد عم يدخل الرهبة في نفوس الساهرين، بيقوم واحد منهم وبيفتح سيرة الضبع، وبمجرد ما ينتهي من حكايته المشوقة بيبلش واحد تاني بحكاية، وكل واحد من الموجودين بيحكي حكاية.. وكلها تقريباً بتحكي عن رجل اعترض الضبع طريقو في الليل، وصار يرشق عليه طين لحتى يخليه يضعف ويخور ويستسلم، وبالأخير بيفترسو طبعاً. ولكن، ولأنو المَعارك مع الضباع في البراري وليالي الشتاء القارسة ما في عليها شهود، بتلاقي معظمها بينتهي بأنو ينتصر الرجل على الضبع، ويفشخلو حَنَكُو!

ضحك أبو الجود وقال: أي لازم يفشخلو حنكو. الكذب يا خيو ما في عليه جمارك. وقال مخاطباً "أبو جهاد" ممازحاً: احكي لنا يا أبو جهاد، أنت كم ضبع فشختلو حنكو بالعمر؟
قال أبو جهاد: بصراحة أنا ما فشخت حنك ضبع. بس الليلة، إن شاء الله، بعدما نطلع من هون، بدي إفشخ لك حنكك.


قال الأستاذ كمال: على سيرة الضبع. مرة من المرات كان ابن بلدنا "أبو عبود" عم يحكي لنا سلسلة من الحكايات عن صراع بعض معارفه مع الضباع، وكان صديقنا أبو محمود عم يصغي لحديثو بشغف، فلما توقف أبو عبود عن الكلام زل لسان أبو سلوم وقال له: تفضل أبو ضَبُّوع أكمل! واستدرك وقال: عفواً عفواً.. قصدي قول "أبو عبود"!

قال العم أبو محمد: يا ريت أخونا أبو زاهر يكمل حديثو. لأنو نحن بصراحة كنا نشتغل بالتجارة، بعيدين عن السياسة، وما كنا نعرف أنو في وحشية بسجون حافظ الأسد لهالدرجة.

قال أبو زاهر: حكيت لكم كيف أنو حافظ الأسد ما كان يكترث بالمعلومات اللي كانت تجيه عن وجود سجناء منتهية أحكامهم منذ سنوات، وإنو في سجناء حكمت عليهم محكمة أمن الدولة سيئة الصيت نفسها بالـ براءة، ومع ذلك ما كان حافظ يعطي أمر بإطلاق سراحهم، ومَضُّوا سنوات طويلة في "مهجع البراءة". وإذا بتسمحوا لي بحكي لكم قصة طريفة عن هالموضوع.

قال أبو جميل: إذا قصة طريفة ما بدا إِذْنْ. تفضل احكي.

قال أبو زاهر: في سنة من السنين، بمناسبة الاحتفالات بذكرى انقلاب حافظ الأسد (الحركة التصحيحية)، حضر مدير السجن المشهود له بالإجرام لزيارتنا. وظهر أمامنا بمظهر الحمل الوديع، لأنه، في هذا اليوم بالذات، كان كتير مبسوط ورايق..

قلت: ليش ما ينبسط ويروق؟ رجل تافه وضيع ما بيمتلك أية مؤهلات، ومع هيك رَفَّعو حافظ الأسد لمستوى أنو يكون مسؤول عن أرواح الألوف من أبناء الشعب السوري، بيتصرف بهالأرواح متلما بيتصرف المالك بأملاكه الخاصة.

قال أبو زاهر: في الأحوال العادية كنا نكره الأرض اللي بيمشي عليها هاد المجرم، ونحاول نبتعد عن طريقو، وإذا واحد منا شافو لازم ينزل بصرو للأرض، حتى ما يغضب وينهي حياتو في الحال، ولكن بهداكا اليوم انفتحت شهية بعض المساجين ع الحكي، لأنو هوي كان عم يضحك ويمزح وينكت..

المهم، أجا لعندو واحد من السجناء وعَرَّفو على نفسو، وقال له:
- أنا فلان من سجن البراءة. يا سيدي الله يطول عمرك وعمر السيد الرئيس حافظ الأسد قائد الحركة التصحيحية، أنا صار لي هون ست سنين ومحكوم (براءة)، يعني أيمتى ممكن تطلقوا سراحي؟

هون تقدم الضابط المجرم من السجين وطبطب على كتفو بحنان وقال له:
- لا تاكل هم يا إبني، الكل راح يطلع. وأنت كمان.. بشرفي إذا بتبقى هون مية سنة راح تطلع!

للحديث صلة..