الربيع العربي المتدحرج!

الربيع العربي المتدحرج!

30 يوليو 2019
+ الخط -
صار المواطن العربي، بعد الذي جرى وما زال يجري على الساحة التي نعيش فيها من المحيط إلى الخليج من أحداث غريبة، يتساءل، وباستغراب شديد: ما هي الصيغة التي يمكن معها أن نصل بها إلى عقل القارئ العربي، وبأيّ اتجاه يمكن معه أن نحاوره؟ وأن نطلق بعض الأعيرة النارية، والقواذف بأنواعها، حتى يمكن له أن يلتفت إلينا، ونحن نخوض هذه التجربة المريرة من خلال طرح العديد من التساؤلات، التي ندرك تماماً ما مدى عفويتها من جهة، وآلية عملها من جهة أخرى؟

وهل يمكن أن تُحقق، هذه التساؤلات، مطالب العربي وآماله وتطلعاته، في زمن صار الواحد منا يستسهل معه، وفي ظل آلية النشر السريعة،  قول ما يريد،  بعيداً عن عين الرقيب، باستثناء مراقبة الضمير لها، وبصورةٍ خاصة من خلال مواقع التواصل الاجتماعية، ومساحة الحرية التي تتيحها للمواطن العربي وغيره لجهة النشر، وحتى للطفل، بأن يبدي رأياً، وإن كان مخطئاً فيه، المهم نتيجة ما يقول، وما يدور في ذهنه، وبكل عفوية، حتى يتمكن من الوصول وبرغبته إلى الجهة التي يريد، وإلى المسؤول الذي هو في موقع القرار بصورة مباشرة بعيداً عن تبعية الأبواب المغلقة!

وليس من السهل بمكان أن نقيّد ذاتنا، وأن نحبس أنفاسنا عمّا يدور من حولنا، وتحت مرأى العالم كلّه، وفي كل الاتجاهات، والنظرات المختلفة أيضاً، وتلقي وجهات النظر وتبعاتها، والحصيلة من كل ذلك هو: ما الهدف، والمعنى مما يحدث، الآن؟!

يتساءَل فالح، وهو الخليجي الأصل، والذي التقيت به، في أحد المطاعم النمساوية، في فيينا، بعد أن تعرّفنا على بعضنا بعضاً، وهو الطالب المقيم في جامعتها، ويدرس علم الإدارة والاقتصاد. يتساءَل عن ماهية الأحداث، التي تستهدف الوطن العربي من محيطه إلى خليجه؟ ومتى ستتوقف كرة اللهب، التي وكما يبدو لها، ستظل تتدحرج وتأكل الأخضر واليابس، ولم تعد بإمكانها أن تتوقف عن التدحرج، لأنها صارت تضرب وبقوّة، وأمامها نيران مرتفعة، وتخلّف وراءها، الدمار، والخراب، والقتل، والحرمان، والتشرّد، والفقر؟!

هكذا أصبح حالنا، وهذه الكرة، ستستمر في قضمها، وسرعتها، وحدها تواجه هذا الطوفان من المسائل التي تضاربت الرؤية، والتحاليل حول ما أثاره الربيع العربي في حياتنا التي نعيش، وأعاد بها سنوات إلى نقطة الصفر، والشر المستطير الذي حلّ بالأمة العربية.

وقال: صحيح أنَّ هناك من هم على قدر كبير من القوّة والإمكانية، ولديهم أدوات التسلّح القادرة على صد أي تدخل داخلي أو حتى خارجي، واعترافهم بالأحداث، إلاّ أنهم لن يخلصوا من هذا الشر الذي دق أطنابه في كل مكان!

وبعد أن هدأت سريرته، تلفظ مبرراً الأحداث ومجرياتها، على أنّها صارت تشكل عوامل ثقل كبيرة، وأنه يلزمها وقفة صريحة مع الذات، مع هؤلاء الذين كانت لهم اليد الطولى في إثارتها، ولم يكن بالإمكان بعد أن يطفئوا نارها تخوفاً من أن تلحق بهم الضرر، وهذا ما يمكن أن يكون.

واشتد غضبه، متمماً حديثه: هناك الكثير من الحالات شابها العديد من الاحتمالات، وهذه الاحتمالات آخرها ما أصبح بحاجة للنظر إلى الحل الذي يوقف معه هذه المشكلة التي، وكما يبدو، طالت وستطول، والخاسر فيها المواطن العربي، الذي تحمّل تبعاتها جرّاء نشوب هذه الأحداث الضاربة في العمق.

نعم، تحمل ويلاتها، وخسر الكثير جرّاء نشوبها.

خسر واقع حياة، وخسر الحياة ذاتها، والعمل، وفقد الحرية، وتاه، وحتى معاشرة الناس صارت في طي الكتمان، ولم يعد بمقدوره أن يعود إلى الوراء، بل تراه يتحسّر ألماً وبشدة على كل ما فاته من أيام، أيام جميلة، ونادرة بأحداثها، وكان يعيشها بشوق وبرغبة، أما اليوم فانّه يصعب عليه الاختيار، وظل مرغماً على الامتثال لرؤية من هم أدناه مرتبة وعلماً وخبرة ومعرفة.

ويشير فالح: لقد تحوّلت أحوال هؤلاء الشرذّمة، الذين غيّر الزمن من ملامحهم، ونظراتهم، وجاؤوا يحاولون تطبيق مزاعم دينية، وإلغاء كل ما هو جميل، وسار في نظر أبنائنا، وهم وحدهم العارفون بالحياة الدنيا، ولا غير سواهم!

وتطبيقهم للكثير من الحالات، والتي لم تكن في عرف أهل الوطن الأم من ملجأ إلاّ هم، وصاروا اليوم يقرّون مبادئ، ما أنزل الله بها من سلطان، ويطبّقون في بعض المدن التي حولوها إلى ولايات تتبع لهذه الجهة أو تلك، حوّلوها وتحت مسميات مختلفة، وغيرو الكثير من أسمائها، وارتبطت بشعارات، لم ترقَ لأحد، واتخذوا قرارات لم يسبق للمواطن العربي أن سمع بها، أو قرأ عنها، وإنما مجرد خطوات تعجيزية، الغرض منها، هو أن يكون لهذه المجموعات رأيها، ويجب تطبيقه، وإن كان يثير في المجتع آراء تختلف عن هذا الرأي أو ذاك، والذي لا يمكن بحال، يروق حتى للإنسان الساذج، فكيف يمكن أن يأخذ به، ذاك المتعلّم، وغيره من عامّة الناس، لا سيما وأنه تحولت مجمل القرارات التي اتخذت إلى تدخل سافر في الشؤون الداخلية للشخص، وهذا ما أثار حفيظة الناس جميعاً!

ويلفت الأخ الخليجي، بقوله: ما كان، وما سيكون فيه إجحاف بحق المواطن العربي، الذي لا زال يعاني مزيداً من الفقر، والفاقة، والحرمان، فكيف يمكن أن نقنعه بكل ما يجري في هذا العالم الفاني، مادام أنه ظل يعاني من كثير من الأشياء، وهو يعيش في فقر مدقع!

وبدلاً من أن نخفّف عنه عبء الحياة ومتطلباتها، ونؤمّن له جزءاً من احتياجاته المتواضعة ومطاليبه، وأوّلها ضرورة توافر الماء والكهرباء، وهذه من الأشياء البسيطة جداً، قياساً بالتطور المتلاحق الذي يشهده العالم اليوم، فكيف يمكنهم أن يحققوا ما يتخذونه من قرارات ساخنة، فيها الكثير من الجهل وقلّة الحيلة، بحق المواطن العربي البسيط، مادام أنهم يعيشون في هذا الكوكب الآخر، وكل ما فيه من ريبة وخوف وجهل وحرمان من أبسط مقوّمات العيش، بل إنهم يريدون أن يعيدوا هذا الكون، وكما يبدو لهم، إلى بوابات الجهل، والخرافات، وأن يفرضوا على الناس كل الناس أساليب واجتهادات خاصة فيها الكثير من القهر والتسلط..! 

وبعد كل هذه الصراعات والأحداث المريعة التي أثارها الربيع العربي المتدحرج بكرة اللهب، وانتهى في أغلبها إلى بثّ الرعب والخوف في نفوس أهلنا في كل مكان، قتل وشرّد وهجّر الملايين، فإلى أين المسير يستمر بنا بعد كل هذا الخراب الذي لم يبقي ولم يذر، فأرخى بظلاله على عالمنا العربي، ودمّر مسيرة أبنائه، وغير منعطفها، وحول معيشة أبنائه إلى خوف ورعب دائمين، فإلى متى؟