الرابحون والخاسرون في ميزان الحكومة اللبنانية

19 مارس 2014
الصورة
"قرر الجميّل خوض المعارضة من داخل السلطة" (ياسر الزيات)
+ الخط -

تعود الحياة إلى المجلس النيابي اللبناني، اليوم الأربعاء، مع بدء جلسات مناقشة البيان الوزاري. مات هذا المجلس سريرياً لما يقارب العام، إذ انعقدت الجلسة التشريعية الأخيرة في 31 مايو/ذار 2013، تاريخ تمديد النواب لولايتهم. نامت في أدراج النواب ومكاتبهم كل مشاريع القوانين وتعديلاتها وكل ما يلحظ حقوق المواطنين. يدخل رئيس الحكومة، تمام سلام، إلى الجلسة ملكاً ولو متأخراً لعشرة أشهر. على الأرجح، سينال بعد جلستي اليوم الأربعاء وغداً الخميس، ثقة 106 نواب من أصل 128، من الكتل النيابية والأطراف المختلفة بين 8 آذار و14 آذار وما بينهما من مستقلين. وقد يرتفع هذا الرقم إلى 111 نائباً، في حال سحب حزب الكتائب اللبنانية تحفظه، وهو ما صدرت إشارات إلى إمكانية حصوله بعدما أسقط الكتائبيون تحفظهم عن صيغة البيان الوزاري، وانضمّوا إلى قافلة الكتل الداعمة لتشكيل "حكومة الوحدة الوطنية"، حتى ولو أنّ القسم الكبير من جمهوره، ومن جمهور 14 آذار عموماً، لا يزال غير مقتنعاً بالمشاركة في حكومة واحدة مع حزب الله.
بذلك، تنحصر الأصوات المعارضة لسلام وتشكيلته وبيانه بتعسة، تعود ثمانية منها إلى كتلة القوات اللبنانية، وصوت إضافي للنائب دوري شمعون، رئيس حزب الوطنيين الأحرار. هكذا، تبقى في بورصة الأصوات، خمسة نواب لم تحسم خياراتهم بعد، ولن يكون لهم أي ثقل أو تأثير على القرار.
تختتم جلستا الثقة، المرحلة الحكومية، لينطلق مشهد الانتخابات الرئاسية. وبين الاستحقاقين، يُعيد كل فريق حساباته، واضعاً مواقفه في ميزان الربح والخسارة لمحاولة تعزيز موقعه على عتبة استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. بالنسبة لفريق 8 آذار، معظم مكوّناته ربحت في خيار حكومة الشراكة الوطنية، تحديداً حزب الله. فالحزب المنغمس في الحرب السورية واحتلال مناطق المعارضة، تمكّن من نزع اعتراف حلفاء الثورة بشرعيته اللبنانية. كما نجح في كسر وضعه على لوائح الإرهاب الدولية، بين أميركا وأوروبا وبعض دول الخليج كالبحرين. بات قتاله في سوريا كطرف مشارك في سلطة لبنانية جامعة، لا بصفته حزباً "احتلّ بيروت" أو "نفّذ انقلاباً على الحكم" بحسب المنطق السابق لقوى 14 آذار وقنواتها الإقليمية والدولية. أما أبرز انتصار حقّقه الحزب، فكان في قبول خصومه المحليين بصيغة "المقاومة" في بيان وزاري سيوقّعه ممثلو تيار المستقبل وحزب الكتائب وشخصيات مستقلة حليفة لهما. كما أنّ الحكومة الجديدة لن تلغي كون الحزب يسيطر على مفاصل أساسية في القرارات السياسية والأمنية للدولة.
أما حليف حزب الله، رئيس مجلس النواب، نبيه بري، فيعدّ نفسه منتصراً في الشكل والمضمون. نجح من موقعه الذي يعدّه جامعاً ومنفتحاً على جميع الأطراف، أن يخرج هذه الصيغة الحكومية إلى الضوء. فيقول عضو كتلة التنمية والتحرير، النائب علي بزّي لـ"العربي الجديد"، إنّ بري "يشكل آخر معاقل الحوار والالتقاء بين اللبنانيين، وصيغة الشراكة هي التي ترضيه باعتبارها تضع الجميع على طاولة نقاش رسمية ولا تستثني أحداً".
إضافة إلى ذلك، أمسك بري بحقيبة المال التي تخوّله الإمساك بأعناق الجميع على صعيد تمويل الوزارات والقطاعات، إذ إن توقيع وزير المال ضروري على كل مرسوم، تماماً مثل توقيع رئيسي الجمهوريّة والحكومة. كما تربّع بري على عرش الخدمات بحصوله على وزارة النقل والأشغال العامة، فباتت كل الأطراف مضطرة لـ"نيل رضى" بري لتزفيت شارع أو زاروب انتخابي، أو لتمرير تمويل أي مشروع خدماتي. ولطالما أشبع الموقع الخدماتي طموحات بري على كل حال.
هكذا هو حال رئيس "جبهة النضال الوطني"، النائب وليد جنبلاط، الذي رعى مشروع حكومة الشراكة. فخرج منها منتصراً معنوياً بتأمينه مساحة مشتركة بين فريقَي الصراع، إضافة لحصوله على وزارتين مهمّتين على الصعيد الانتخابي: الصحة والزراعة.
على صعيد آخر، لا يزال رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون ينتظر فوائد الوزارات التي وُضعت في عهدته. أولاً، حافظ على وزارة الطاقة وأسقط بذلك مطلب خصومه في 14 آذار بمداورة الحقائب. ثانياً، أدخل صهره الوزير جبران باسيل إلى وزارة الخارجية، علّ هذه الخطوة تغذّي وتساعد طموحه الدائم في تولّي رئاسة الجمهورية. ومن خلال هاتين الحقيبتين والثالثة في التربية والتعليم العالي المتواجدة في كل بلدة لبنانيّة، وتملك "جيشاً" من الموظفين، يستمرّ عون في السلطة ويحاكي عبرها جمهوره.
لكن هذا الفريق خسر بعض مصداقيته لدى جمهوره، بسبب مشاركته مع مَن لا يتعب في تسميتهم "عملاء إسرائيل" في حكومة واحدة، كما خسر عدداً من الحقائب الأساسيّة لصالح فريق 14 آذار.
في المقلب الآخر، تعيش قوى 14 آذار الكثير من الآثار السلبية جراء تشكيل هذه الحكومة. القوى المشاركة في هذه الصيغة لا تزال تنفي أي تركيبة سياسية قد تنتج عنها. وقع المشاركون في معضلة الحفاظ على ثوابتهم وجمهورهم من جهة، وعدم الخروج من السلطة والمشاركة في القرار من جهة أخرى. فتيار المستقبل لم يعتد يوماً الجلوس خارج الحكم. لا تفهم قيادته منطق لعبة المعارضة، ولا يعرف مسؤولوه آليات العمل في هذا المكان وقواعده وأدواته. أكبر مكسب حققه "المستقبل" هو العودة إلى السلطة، بعدما كان حزب الله وحلفاءه قد أخرجوه منها عام 2011 بضربة قاضية إثر استقالة وزراء 8 آذار من حكومة الرئيس سعد الحريري. ومن النقاط التي تمكن المستقبل من تسجيلها، توزير المدير العام لقوى الأمن الداخلي السابق، اللواء أشرف ريفي. الأخير خاض معارك أمنية وسياسية كثيرة من موقعه السابق ضد حزب الله والنظام السوري. يعود اليوم إلى وزارة سيادية، هي وزارة العدل، التي منها يمكن التحكّم بالكثير من الملفات القضائية للضغط على الخصوم. وفي هذه المشاركة، يكون قد تكرّس ما تناقله البعض من حلفاء "المستقبل" عن كون "الحريري مستعد للعودة إلى السلطة والبلد بأي ثمن كان". كما خسر الحريري تماسك فريق 14 آذار الذي يُشكّل العامود الفقري لحركته السياسيّة.
ربما هو الثمن نفسه الذي قد يدفعه حزب الكتائب جراء انضمامه إلى صفقة حكومة الوحدة الوطنية. الكتائب خاض حتى اللحظة الأخيرة لعبة الانضمام أو الخروج من الحكومة. وعلى وقع صياغة البيان الوزاري، ضاع الكتائبيون بين عشق السلطة وهمّ الناس والجمهور. حاولوا اللعب بين هذين المحظورين ففشلوا. بقوا في السلطة بعدما حيّروا ناسهم على وقع انتقاد منسق الهيئة المركزية في الحزب، النائب سامي الجميل، لحزب الله وسوريا. في النهاية، قرّر رئيس الحزب، أمين الجميّل، خوض معركة المعارضة من "داخل الحكم ومن داخل مؤسسات الدولة!" كما قال الوزير السابق سليم الصايغ.
كل هذه الكتل والأحزاب باتت في السلطة وتركت القوات اللبنانية وحيدة تخاطب جمهورها وجمهور 14 آذار بلغة الاحتجاج على أداء حزب الله. خسر رئيس القوات، سمير جعجع، الكثير من الأوراق على صعيد الدولة، لكن جلّ ما يبحث عنه اليوم كسب المزيد من الشارع المسيحي وتحسين واقعه ووجوده فيه. كسب جعجع قسماً من الجمهور المسيحي الذي كان مقرباً من حزب الكتائب، وقسماً آخر يرى في مشروع عون المتحالف مع حزب الله، "تهديداً لأمن المسيحيين". تدفع القوات ضريبة البقاء خارج السلطة "لكن ليس خارج المعادلة السياسية" بحسب ما يقول النائب القواتي أنطوان زهرا لـ"العربي الجديد"، باعتبار أن القيادة كرّست انسجامها مع مشروعها وخطابها ومع مطالب الناس.
في ميزان الربح والخسارة، توضع حسابات الحكومة الجديدة على صعيد الانتخابات النيابية والموقع والموقف من انتخابات رئاسة الجمهورية. معركة الحكومة تركت كل الأطراف في هموم حساباتها وادراكها لحجم الانتصار أو الخيبة التي تركت في صفوف قياداتها وجمهورها.

 

المساهمون