الرابحون والخاسرون في أزمة إيران

31 يوليو 2019
الصورة
من طبيعة الأزمات، ممتدة كانت أو مؤقتة، أن يبرز من بين أطرافها رابحون وخاسرون. ومن طبائعها أيضاً أن يكون الفاعل البشري فيها كائناً عقلانياً بالضرورة، تقوم حساباته على تقليل الخسائر وتعظيم المكاسب. ولكن هذه الحسابات لا تكون دائماً دقيقة أو صحيحة، بعضها لأسباب متصلة بطبيعة الأزمة، وتعقيداتها، وعدم وجود معلومات كافية حولها، وبعضها متصل بالفاعل نفسه، لجهة قلة خبرته، وعدم قدرته على الإحاطة بجوانب الأزمة، وبعضها مرتبط بالبيئة التي يجري فيها الصراع وبأطرافه الآخرين. ولأنه فاعل عقلاني، يفترض بطرف الأزمة أو أطرافها، الخاسرين خصوصاً، إعادة النظر في حساباتهم لوقف النزف، وإلا فإنهم يخاطرون بتحولهم إلى كائناتٍ غير عقلانية أو غير مسؤولة. يلاحظ متتبع مجريات أزمة الملف النووي الإيراني أنها لا تشذّ عن هذه القواعد العامة للأزمات، إذ نجد فيها الرابحين والخاسرين، ونجد بين الأخيرين من يتسم بسلوك ونهج غير عقلاني.
حتى الآن، وعلى الرغم من محاولاتها الظهور بمظهر القوي من خلال ردود فعل محسوبة على العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب عليها، بما في ذلك إسقاط طائرة الدرون الأميركية في العشرين من يونيو/ حزيران الماضي، واحتجاز ناقلة النفط البريطانية في 19 يوليو/ تموز الحالي، الا أن إيران تبدو حتى الآن الخاسر الأكبر في الأزمة الراهنة، فالعقوبات الاقتصادية خفضت صادراتها النفطية من نحو 2,3 مليون برميل في إبريل/ نيسان 2018، أي قبل انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، إلى أقل من 300 ألف برميل يومياً الآن. وبأسعار النفط الحالية، تخسر إيران نحو مائة مليون دولار يومياً، أو ما يعادل 36 مليار دولار سنوياً (نحو 40% من إيرادات الموازنة العامة للدولة). الخسائر تصبح أكبر إذا أضيفت إليها العقوبات التي طاولت قطاع التعدين، والبتروكيماويات، وهرب الاستثمارات الأجنبية وغير ذلك. كما أن بعض الخسائر قد تكون دائمة، ذلك أن النفط الإيراني خرج من السوق نهائياً، وحل محله نفط آخر (روسي، أميركي.. إلخ)، وسيكون للوجود العسكري الأجنبي المتنامي في المنطقة تبعات كبيرة على أمن إيران ونفوذها الإقليمي.
الخاسر الأكبر الثاني في هذه الأزمة دول الخليج العربية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، ذلك أن أزمة الناقلات والملاحة في الخليج أدت إلى رفع كلفة التأمين على السفن والصادرات، كما زادت تكلفة الحماية التي تقدمها الولايات المتحدة، خصوصا في ظل رئيسٍ لا حدود لنهمه. وهناك أيضاً مخاطر بدأت تتشكل على حصص النفط الخليجية في الأسواق العالمية، ذلك أن الزبائن الكبار في آسيا، مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أخذت تبحث فعلاً عن بدائل للنفط الخليجي، بسبب المخاوف من انقطاع الإمدادات في حال اندلاع مواجهة وإغلاق مضيق هرمز. فوق ذلك، لوحظت حركة نزوح كبيرة للاستثمارات والأموال من منطقة الخليج، وخصوصاً من الإمارات التي يقوم جزء مهم من اقتصادها على الخدمات والمشتقات المالية، في حين قدّر مصرف جي بي مورغان الأميركي هرب استثمارات، قيمتها نحو 80 مليار دولار من السعودية العام الماضي، هذا فضلاً عن تأثر البورصات الخليجية سلباً بأجواء الأزمة.
الرابح الأكبر في هذه المرحلة من الأزمة هو روسيا، التي حازت الجزء الأكبر من حصة إيران في سوق النفط العالمية، واستغلت أيضاً المخاوف من انقطاع النفط العربي، لتزيح السعودية عن مكانتها أكبر مصدّر نفط للسوق الصينية. في حين تدفع مخاوف الصين من سيطرة الولايات المتحدة على خطوط الملاحة البحرية في الخليج بها أكثر إلى أحضان روسيا، ما يعزّز موقع الرئيس بوتين في علاقته بكل من الصين التي ازداد اعتمادها طاقوياً عليه، والولايات المتحدة التي باتت تخشى جدياً من تقارب موسكو وبكين.
وتأتي واشنطن في المرتبة الثانية بين الرابحين في الأزمة الراهنة، إذ زادت هي الأخرى مبيعاتها النفطية على حساب دول الخليج العربية وإيران، كما زادت مبيعاتها من الأسلحة والخدمات الأمنية إلى دول المنطقة، وعزّزت سيطرتها على خطوط نقل الطاقة فيها. باختصار، ما لم تعد إيران والدول العربية (الخاسر الأكبر في الصراع الحالي) النظر في سياساتها، فإنها لا تخاطر فقط باعتبار حكوماتها غير مسؤولة، وفاقدة أهلية الحكم والقيادة، بل تخاطر بمصير ومستقبل شعوبها والمنطقة ككل.
تعليق: