الرئيس الأفغاني في باكستان: تقارب الضرورة

28 يونيو 2019
الصورة
تستمر زيارة غني لباكستان يومين (فيليب براون/Getty)
+ الخط -

يبدو أن باكستان وأفغانستان أدركتا بعد توتر متصاعد في العلاقات على الحدود بينهما، ألا بديل من تطبيع العلاقات بينهما، لا سيما أنهما تواجهان في الوقت الراهن تحديات مماثلة، وأن أمن إحداهما يؤثر على الأخرى بل على أمن المنطقة بأسرها. كما يبدو أن كابول علمت أن إسلام آباد حاضرة للتعاون معها في الملفات الأساسية، خصوصاً ملف المصالحة الأفغانية وملف دعم الجماعات المسلحة التي كانت سبباً في توتر العلاقات بينهما، لدرجة تعرّض باكستان لضغوط إقليمية ودولية.

في السياق، جاءت زيارة الرئيس الأفغاني أشرف غني لباكستان، أمس الخميس، بدعوة من رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، لتحصين العلاقات، علماً أن المواقف الرسمية في كابول كشفت أن غني كان يرغب بالزيارة أساساً. وهو ما أشار إليه المحلل السياسي الباكستاني رحيم الله يوسفزاي بقوله لـ"العربي الجديد"، إن "الحكومة الباكستانية تسعى منذ فترة طويلة لإقناع غني بزيارة باكستان، لأنها كانت تحتاج إليه كي تُظهر للعالم أن العلاقات جيدة مع الحكومة الأفغانية، في حين هناك اتهامات موجّهة إليها بالعلاقة مع الجماعات المسلحة وتمويلها". وأضاف أن "الرئيس الأفغاني لم يكن يرغب سابقاً في زيارة باكستان بسبب العلاقات المتوترة بين الدولتين، ولأنه كان يريد ضمانات بأن تناقش إسلام آباد مطالبها بشكل إيجابي. الآن يبدو أن العلاقات تحسنّت وأن الأمور تغيرت نوعاً ما". أما أهم المواضيع التي سيتم طرحها خلال الزيارة التي ستستمرّ ليومين، فقد أعلن عنها في بيان، وهي ملفات التواصل التجاري والاقتصادي بين دول المنطقة، خصوصاً التجارة والتعاون الاقتصادي بين أفغانستان وباكستان، وملف الأمن والمصالحة، وهما الأهم.

في هذا الصدد، كشف مستشار الرئيس الأفغاني فضل فضلي، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "غني ذهب إلى باكستان ليتحدث معها عن موقف قوي، مع طرح خطة وآلية واضحتين، إذ إن المنطقة بأسرها، خصوصاً باكستان وأفغانستان، في مرحلة الحاجة إلى الحزم. ونعلم مدى الوقت المهدور على المواقف الروتينية التي تساهم في دفع المنطقة نحو الهاوية". وعدا المواضيع المطروحة، فإن هناك ملفات سرية، وهو ما أشارت إليه تصريحات مستشار الأمن القومي الأفغاني، حمد الله محب، الذي زار باكستان مع مسؤولين أمنيين قبل أيام، وتباحث بشأن زيارة غني مع قيادة الجيش.

وقال محب خلال مقابلة مع قناة "طلوع" المحلية، إن "هناك أموراً كثيرة سيتم تناولها بين باكستان وأفغانستان، لا يمكن لنا الحديث حولها لأنها في غاية السرية، ولكن أؤكد أن هناك تغييرات في المنطقة وفي باكستان. وكل ذلك يرغم إسلام آباد على التعاون مع كابول من أجل القضاء على ظاهرة الإرهاب، التي بدأت تضرنا جميعاً".

السؤال الأهم هنا حول التغيرات التي ترغم باكستان على تغيير موقفها إزاء أفغانستان والتي تحدث عنها محب. ثمة من يرى أن الوضع الاقتصادي الذي تواجهه باكستان هو الأساس، لناحية الضعف في الموازنة التي أدت إلى تقلص ميزانية القوات المسلحة وانخفاض قيمة الروبية مقابل الدولار، وانخفاض وتيرة التجارة مع أفغانستان، التي كانت تشكّل سوقاً كبيراً لباكستان، ولكن بسبب سياسات الحكومة الأفغانية تغيرت الأمور وفتحت أبواب دول آسيا الوسطى. بالتالي أصبحت أفغانستان سوقاً لإيران والهند ودول آسيا الوسطى، وخسرت باكستان الكثير. كما أن الضغوط الدولية تزايدت على باكستان بعد اتهامها بدعم الجماعات المسلحة وإدراجها في القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (فاتف)، وهي هيئة رقابية دولية. وهناك خشية من إدراج باكستان في القائمة السوداء من "فاتف" في شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل. وبالنظر إلى كل ذلك، ترغب إسلام آباد في توطيد علاقاتها مع كابول وتغيير سياساتها إزائها، علها تكون سبباً في تطبيع العلاقات بينهما.

الجدير بالذكر أن باكستان تواجه تهديدات تمسّ بأمنها الداخلي، إلى جانب التهديدات والتحديات الاقتصادية والتجارية، فالأوضاع الأمنية الداخلية توترت بعد ظهور حركة "طالبان باكستان" مجدداً وتبنّيها لبعض العمليات المسلحة، كما أن تحرّكات المجموعات الانفصالية البلوشية ازدادت في الآونة الأخيرة. فضلاً عن ذلك، فإن حركة الحماية عن البشتون بدأت ترفع صوتها أخيراً ضد الجيش والمؤسسة العسكرية، لتزداد الهوة بينها وبين السلطات بعد مقتل العديد من أنصارها بيد قوات الأمن واعتقال بعض قياداتها، وهناك خشية من تفجير الوضع في المستقبل. ومعلوم أن باكستان تتهم كلاً من أفغانستان والهند بدعم القوى المناهضة لها. ومع الضغوط الاقتصادية والأمنية الداخلية، تُشكّل تلك التحركات تهديداً إضافياً وخطيراً لباكستان.



المساهمون