الذهب ملجأ المستثمرين في عالم قلِق... كيف يتفاعل مع كورونا؟

02 ابريل 2020
الصورة
عوامل كثيرة تؤثر على سعر الذهب (العربي الجديد)
تشهد أسعار الذهب ارتفاعاً منذ الإعلان الأول للصين عن تفشي فيروس كورونا الجديد في مدينة ووهان في نهاية العام 2019. قد يسأل سائل: ما علاقة الارتفاع الحاد في أسعار الذهب بانتشار فيروس يطاول صحة الإنسان؟ 

الجواب هو أنّ عوامل كثيرة تنعكس على أسعار الذهب، وكذلك المعادن الأخرى والنفط والأسهم، وكل ما يخضع لسوق التداول العالمية

سوق الذهب تأثر بزيادة الإقبال على شرائه، كونه ملاذاً آمناً، وليس مرتبطاً مباشرة بالتغييرات الاقتصادية الدولية كالأسهم مثلاً التي تحمل خلال الأزمات الكثير من المخاطر، ربطاً بوضعية الشركات، ووضعية الاقتصادات والطلب الاستهلاكي وغيرها...

مثلاً، أسهم الشركات أو المجموعات السياحية تشهد انهياراً كبيراً، مع انتشار الفيروس وإغلاق مطارات غالبية دول العالم، وشلل حركة السياحة الدولية، فيما الطلب النفطي يتراجع إلى مستويات قياسية في أكبر الاقتصادات التي تعاني الكثير في مواجهتها انتشار كورونا، بالتزامن مع اندلاع حرب أسعار بين السعودية وروسيا أفضت إلى زيادة ضخ النفط في الأسواق الدولية.

بماذا يتأثر الذهب؟

وسط كل هذا القلق، والتغييرات التي تطاول موازنات الدول الكبرى، والمآسي الصحية والبشرية، لا يعتبر الذهب شديد التأثر، وأصبح وجهة للمستثمرين لحفظ أموالهم، ولتوقع أرباح عليها أيضاً.

وفي أوقات عدم اليقين الاقتصادي، يحول المستثمرون فئات أصولهم، حيث يشهد العالم بالفعل تحولًا من الأصول مثل الأسهم إلى المعادن الثمينة. وذلك لأنّ المستثمرين يعرفون أنّ الذهب (والمعادن الثمينة) تحتفظ بأسعارها في أوقات المحن الاقتصادية، وقد ثبت ذلك على مدى آلاف السنين.
إلا أنّ الصورة ليست بهذا الوضوح عملياً؛ إذ إنّ الأزمات الاستثنائية التي تمر على دول العالم بسبب كورونا، والتي أدت إلى إغلاق المصانع والشركات والتزام الناس بيوتهم خوفاً من العدوى، فرضت سلوكيات استثنائية أيضاً في تداول الذهب؛ إذ يقوم عدد كبير من الناس والمستثمرين وكذا الدول ببيع الذهب للحصول على سيولة كافية لتأمين الحاجيات، أو توفير سلة نقدية تهبهم الأمان المالي، فيما تسعى الدول إلى زيادة أرصدتها النقدية لمواجهة الجائحة.

فوق ذلك، فإنّ روسيا، ستوقف، في إبريل/ نيسان، عمليات شراء الذهب، بعدما أنفقت عبر بنكها المركزي 40 مليار دولار، خلال السنوات الخمس الماضية، وأصبح لديها احتياطي ضخم يصل إلى 120 مليار دولار من الذهب، وفق وكالة "بلومبيرغ". وفقدان مقدار ضخم من السوق الدولية، سيؤثر بطبيعة الحال على الأسعار، أو على الأقل إن شهد هذا المعدن هجوماً واسعاً لاقتنائه، فإنّ انسحاب روسيا سيوازن السعر، ويحد من احتمال الصعود الكبير.

كما يتأثر الذهب أيضاً بالمؤشرات الاقتصادية الدولية، وسعر الدولار، وأسعار الفوائد وإجراءات التحفيز، وكل الخطوات والإجراءات التي قد تطاول معنويات المستثمرين وتوقعاتهم.
توقعات الأسعار

إذاً، لا أحد يعرف كم سيبلغ سعر الذهب، خلال المرحلة المقبلة؛ فالعالم يخضع لتغييرات غير متوقعة وغير معروفة المآل. لكن الترجيحات المطروحة تعتبر واعدة، إذ يتضافر مع انتشار الفيروس تراجع كبير في توقعات النمو للدول الكبرى وصولاً إلى توقع انكماش عدد كبير من الدول الأوروبية وأكبرها ألمانيا، إضافة إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مع استمرار الأزمات السياسية في عدد آخر من الدول، فيما تشهد السوق النفطية حروباً ومنافسة وتغييرات في التحالفات الدولية...

وتوقع عدد من المحللين، أن يتعدى سعر أونصة الذهب 1800 دولار في الربع الثاني من العام الحالي، فيما تشير تقارير إلى إمكانية وصولها إلى ألفي دولار.
وشرح كولين هاميلتون المدير الإداري لأبحاث السلع في "بي إم أو كابيتال ماركتس"، لموقع "كيتكو" المتخصص، أنّ سعر 1660 دولارًا سيكون "نقطة مقاومة تالية"، متوقعاً استمرار التذبذب صعوداً وهبوطاً. فيما اعتبر رايان ماكاي، استراتيجي السلع لدى "تي دي سيكيوريتيز"، أنه "من منظور طويل المدى، الذهب سيرتفع كثيرًا"، مستشهداً بتوقعات TD Securities لقفزة إلى 1800 دولار للأونصة، ثم 2000 دولار بنهاية العام.

وبدوره، قال إيفرت ميلمان خبير المعادن النفيسة في Gainesville Coins، إنه يلتزم بـ 1750 دولاراً لسعر الأونصة وسط تداعيات الفيروس الانكماشية على الاقتصادات.


وأعلن بنك "بي إن بي باريبا" عن رفع توقعاته لمتوسط سعر الذهب بمقدار 90 دولاراً إلى 1610 دولارات للأوقية (الأونصة) للعام 2020، كما رجح أن يتراجع متوسط سعر الذهب في 2021 إلى 1500 دولار للأوقية.


وتوقع "سيتي غروب" على المدى القصير، أن يصل سعر الذهب إلى 1700 دولار للأوقية خلال الفترة من 6 إلى 12 شهراً المقبلة، ليزيد إلى ألفي دولار في غضون الـ12 إلى 24 شهراً المقبلة.

تطور سعر الذهب

خضع سعر الذهب لتذبذب منذ انتشار فيروس كورونا في الصين، ومن ثم في عدد كبير من دول العالم. لم يكن المسار تصاعدياً دائماً بالتزامن مع ارتفاع عدد الإصابات؛ إذ يظهر موقع "سي إن بي سي"، أنّ سعر الذهب سجل، في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2019، وهو موعد تفشي كورونا في الصين وإعلام الأخيرة منظمة الصحة العالمية بوجود فيروس شديد الانتشار، 1518 دولاراً. 

وبدأ مسار الارتفاع مع ازدياد القلق من الفيروس. في 7 يناير/ كانون الثاني، تزايدت المخاوف بشأن فيروس كورونا، ووصل الذهب إلى 1575 دولاراً. وفي 24 فبراير/ شباط، سجل الذهب أعلى مستوى له في 7 أعوام، وهو 1660 دولاراً.
وفي التفاصيل، قارن "العربي الجديد" ما بين المراحل الزمنية لتطور الذهب، خلال الأشهر الماضية، من جهة الواردة في موقع "يو أس آي غولد"، وما بين المراحل الزمنية لتطور انتشار فيروس كورونا الواردة في موقع "بي تي" التكنولوجي - الطبي المتخصص.

تُظهر المقارنة، الترابط الشديد ما بين المنحيين، وفقاً لتصاعد المخاوف وهدوئها، وتبعاً لما تعلنه الدول ومنظمة الصحة العالمية حول تطور الفيروس، إضافة إلى تأثير الإجراءات الاقتصادية المتبعة والحزم الضخمة التي تم إقرارها لمواجهة الجائحة. 

خلال شهر يناير/ كانون الثاني، ومع بداية انتشار الفيروس في ووهان، وفق التصريحات الرسمية الصينية، ووصول الأعداد إلى 66 مصاباً، راوح سعر أونصة الذهب ما بين 1528 دولاراً في اليوم الثامن من الشهر، ليصل إلى 1589 دولاراً في اليوم الـ31 منه. خلال هذا الشهر، بدأ انتشار الفيروس بنسب ضئيلة خارج الصين، وباشرت الدول بإغلاق حدودها وإجلاء رعاياها، فيما وصل عدد قتلى الفيروس إلى 213 وارتفع عدد المصابين إلى 9776 حالة، غالبيتها في الصين. وأعلنت منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ العالمية.

في شهر فبراير/ شباط، بدأت الدول اعتبار الفيروس خطراً جدياً، ومع 46 حالة وفاة جديدة في الصين، وصل عدد الوفيات فيها إلى 259، في الأول من فبراير/ شباط، بينما وصل عدد الحالات المصابة إلى 11374 حالة في ما مجموعه 26 دولة. في اليوم الثاني من فبراير/ شباط، سجلت الفيليبين أول حالة وفاة خارج الصين بالفيروس. وسجل سعر الذهب، في الثالث من فبراير/ شباط، 1576 دولاراً، ليصل إلى 1582 دولاراً في 14 فبراير/ شباط، بعد تسجيل وفيات في عدد من الدول خارج الصين، ووصول عدد المصابين إلى 64429 حالة، بما في ذلك 63911 حالة في الصين وهونغ كونغ وماكاو، إضافة إلى 1383 وفاة.

في 24 فبراير/ شباط، سجّل سعر الذهب 1660 دولاراً، وهو أعلى سعر منذ العام 2013، فيما ارتفع عدد الوفيات إلى 2700 شخص، وتجاوز عدد الحالات الإيجابية 80 ألف حالة عالمياً، مع بدء الانتشار واسع النطاق في إيطاليا التي أعلنت الحجر على مناطق تتزايد فيها العدوى، وإيران التي سجلت 50 إصابة، وكوريا الجنوبية وعدد من الدول الأخرى من بينها أميركا التي سجلت 55 إصابة.
وخلال شهر فبراير/ شباط، على الرغم من ارتفاع عدد الوفيات خارج الصين، وبدء عدد الإصابات بتجاوز الأربعة أصفار، بدأت الدول تزيد من إجراءاتها الوقائية وتحوطاتها المالية والنقدية، بموازاة تصريحات مضللة أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ونظيره البريطاني بوريس جونسون، قللت من تأثيرات الفيروس على الاقتصادات الكبرى، ما هبط بسعر الذهب قليلاً، ووصل، في 28 فبراير/ شباط، إلى 1585 دولاراً. 

إلا أنّ سعر الذهب ارتفع إلى مستويات قياسية، في 9 مارس/ آذار، مسجلاً 1679 دولاراً، بعدما أعلنت إيطاليا الإغلاق التام، وارتفع عدد القتلى في العالم إلى 3800، بما في ذلك حوالي 3100 في البر الرئيسي للصين، فيما ارتفع العدد الإجمالي للحالات في العالم إلى أكثر من 110.000 حالة في 108 دول حول العالم. وتم وصف هذا اليوم بـ"الإثنين الأسود"، كونه شهد أسوأ أداء للأسهم العالمية منذ الأزمة المالية في العام 2008.

إلا أنّ الأسعار عادت إلى الهبوط لتسجل 1472 دولاراً للأونصة، يوم 19 مارس/ آذار، بعد إقرار عدد من الدول حزم تحفيز ضخمة، وبدء الولايات المتحدة الأميركية دراسة حزمة بقيمة تريليوني دولار لدعم الاقتصاد، ما عزز الآمال لدى المستثمرين في أسواق الأسهم. إضافة إلى حزمة أوروبية بقيمة 750 مليار يورو، وإيطالية بقيمة 25 مليار يورو. 

ولكن رغم كل التطمينات، عادت الأسعار إلى الصعود، وسط توتر كبير مع ارتفاع أعداد الإصابات في أميركا، وانفلات أعداد الوفيات فيها، إضافة إلى اتساع عدد الإصابات عالمياً والقلق الذي يسيطر على الأسواق. هكذا، وبالرغم من إقرار الولايات المتحدة أكبر حزمة مالية في تاريخها، وصل سعر الأونصة، في 30 مارس/ آذار، إلى 1621 دولاراً.

وفي الأول من إبريل/ نيسان، سجل سعر الذهب في التعاملات الصباحية، 1586 دولاراً بارتفاع 1% عن الثلاثاء، نتيجة تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي قال إنّ الوباء في الأسبوعين المقبلين قد يكون "مؤلماً" للولايات المتحدة.