13 سبتمبر 2015
الديكتاتور وإحالات جنسية
إزالة صورة هتلر في كنيسة ألمانية ( 1945/Getty)
"يا حبيبي، يا حبي الوفي، قائدنا العظيم والجنرال العبقري. دعني أضمك إلى صدري، وأشكرك على كل أعمالك ومثابرتك وفكرك. هل تفكر أنت، أيضاً، في تلك التي هي لك؟ حافظ عليّ جيداً، يا حبي الوفي. خرجنا مرة في نزهة ممتعة، وبقي في السيارة مقعد خال، كم كنت سعيدة لو استطعت مرافقتنا. لا بد، بعد الحرب، أن تتحسن الأوضاع، وعلينا أن نستغني عن هذه الساعة القصيرة من المحادثة، رويت لك كل شيء، فدعني أضمك بشدة إلى صدري، يا حبي الوفي، أدولف هتلر".
"عزيزي أدي! ستشتاق لي بعض الشيء بالتأكيد، أريد أن أرسل لك صورة أخرى، رمزاً لحبي. سأسافر إلى مسقط رأسي، وهناك سأفكر فيك أكثر. قبلاتي الحارة لك يا وحشي المفترس".
هاتان رسالتان من مئات آلاف الرسائل التي كانت الألمانيات والإيطاليات يرسلنها إلى بريد هتلر وموسيليني، ما جعل هتلر ينشئ مؤسسة خاصة تعنى بأرشفة هذه الرسائل، ورأى أنها تعبر عن رأي الشعب فيه، ومقياساً لقبوله سياسياً وشخصياً، أما موسيليني، فردّ على رسائل كثيرة، وبعناية تصل إلى حد استقبال صاحبة الرسالة والاختلاء بها. وهاتان الرسالتان نموذج من عشرات الرسائل التي يستعرضها كتاب "نساء الطغاة" لديان دوكريه، وربما هما من أقل الرسائل حميمة وصراحة عاطفية وجنسية.
لسنا متفردين في هذا السياق، إذن، وفينا ما يشبه الآخرين، وحين وضعت مصريات صورة عبد الفتاح السيسي، على وسائد مخادعهن، ولقبنه بألقاب عديدة ذات إحالات جنسية، كن يمارسن سلوكاً متكرراً في سياق الديكتاتورية، مع ظلم جوهري يلحق حتى بهتلر وموسيليني، عندما نضعهما في مقاربة مع السيسي. لكننا متفردون بشكل بائس، عندما نحاول تحليل ما يجري، ونلتفت إلى سلوك العامة وحده، وننزعه من سياقه.
كل الإيحاءات الجنسية التي غلفت الحديث عن السيسي، "الدكر"، ومصر "العروسة"، وما حولها من خطاب شعبوي مبتذل، غابت وتلاشت مع مشهد التحرش، الفريد وغير المسبوق، في ميدان التحرير في أثناء الاحتفال بفوز السيسي بالرئاسة، وحاول محللون ومعلقون رسميون ومن حولهم حشر التحرش والانفجار الجنسي في زاوية العارض الذي يعاني منه المجتمع برمته، مع تحميل كتلةٍ غامضةٍ من الناس مسؤولية ما جرى. وتوج السيسي، الأمر بزيارة الضحية في المشفى، وكأنها من ضحايا كارثة طبيعية حلّت بالبلاد، وسمح لنفسه بأخذ مسافة عما جرى، والتعامل معه طرفاً ثالثاً، وربما رابعاً.
يبدأ التحليل الجاد لكل مظاهر الهوس الجنسي وتداخله مع المجال السياسي من أعلى، لا من أسفل، من السلطة ومن رموزها، ومن إدارتهم مجمل اللغط الجنسي حولهم، وإدارتهم الجنس اجتماعياً، بكل مؤسساته ومظاهره، مع إدراك أولي وضروي، مفاده أن السلطة عموماً، وفي حالة النظم الدكتاتورية خصوصاً، هي المحدد والمؤثر الرئيس في سلوك الناس في المجال العام، وهي المسؤولة عنه، عبر إعلامها وتقنياتها في ضبط الحياة الاجتماعية وإدارتها، بما يخدم سيطرتها، ويعزز صورتها حافظة للناس من أنفسهم بالدرجة الأولى.
ويكفي، هنا، إيراد مدخل بسيط للتحليل، ينطلق من الديكتاتور وصورته والخطاب حوله، فإن اعتبرنا أن الأشهر الماضية كانت مشهداً صالحاً للمراقبة، فالجنس والإحاءات حوله حاضرة في الخطاب عن السلطة، ولا يظهر المشهد إلا "دكرا" وحيداً، يقيم سطوته على قلوب النساء المعشوقات، ويبايعنه ذكراً قبل كونه رئيساً، واستكمالاً للمشهد، تأتي حالات التحرش الواسعة، والعدائية، تجاه جسد المرأة، ومحاولة إلحاق الضرر بها في جوهره، منازعة على الملكية ومحاولة لتأكيد التملّك بالعنف، ومحاولة من "الدكور" الآخرين إثبات وجودهم، وبعنف شبيه مصغّر.
لا جدوى، هنا، من لوم متحرش بعينه، ولا قيمة للتعامل مع التحرش، سلوكاً شخصياً، في وقت تحدد له السلطة فهمه وعلاقته مع جسد المرأة بالمجمل، ويظهر الديكتاتور محتكراً له، فذاك يحمل تبرئة ضمنية وصريحة للسلطة. وفي حالة مصر، يتم الأمر على أوضح صورة وشكل، فكل ما يجري من تحرش، وتحديداً الحالة الأخيرة، يجري على عين السلطة وتحتها، إلا أن السلطة تتقن الانسحاب من المشهد بهدوء، مطمئنة إلى التحليلات والمناقشات المعوّقة التي تحمي ظهرها خلال الانسحاب، وتحمّل المرأة والناس والفقر والدين، وأي شيء غيرها، مسؤولية ما يجري.
التحليل بعيداً عن التفكير في السلطة وأدوارها مريحٌ، لا يقود إلى صدام معها، ويمنح شعوراً بالفوقية والتعالي على تلك الدهماء التي تسمى الناس، ويلاقي رواجاً في أيامنا، وتحبه وسائل الإعلام – الغربية تحديداً. ولكنه قبل ذلك كله غير موضوعي وغير دقيق، وفوق ذلك كله، وفي حالة مصر؛ مشبوه.
"عزيزي أدي! ستشتاق لي بعض الشيء بالتأكيد، أريد أن أرسل لك صورة أخرى، رمزاً لحبي. سأسافر إلى مسقط رأسي، وهناك سأفكر فيك أكثر. قبلاتي الحارة لك يا وحشي المفترس".
هاتان رسالتان من مئات آلاف الرسائل التي كانت الألمانيات والإيطاليات يرسلنها إلى بريد هتلر وموسيليني، ما جعل هتلر ينشئ مؤسسة خاصة تعنى بأرشفة هذه الرسائل، ورأى أنها تعبر عن رأي الشعب فيه، ومقياساً لقبوله سياسياً وشخصياً، أما موسيليني، فردّ على رسائل كثيرة، وبعناية تصل إلى حد استقبال صاحبة الرسالة والاختلاء بها. وهاتان الرسالتان نموذج من عشرات الرسائل التي يستعرضها كتاب "نساء الطغاة" لديان دوكريه، وربما هما من أقل الرسائل حميمة وصراحة عاطفية وجنسية.
لسنا متفردين في هذا السياق، إذن، وفينا ما يشبه الآخرين، وحين وضعت مصريات صورة عبد الفتاح السيسي، على وسائد مخادعهن، ولقبنه بألقاب عديدة ذات إحالات جنسية، كن يمارسن سلوكاً متكرراً في سياق الديكتاتورية، مع ظلم جوهري يلحق حتى بهتلر وموسيليني، عندما نضعهما في مقاربة مع السيسي. لكننا متفردون بشكل بائس، عندما نحاول تحليل ما يجري، ونلتفت إلى سلوك العامة وحده، وننزعه من سياقه.
كل الإيحاءات الجنسية التي غلفت الحديث عن السيسي، "الدكر"، ومصر "العروسة"، وما حولها من خطاب شعبوي مبتذل، غابت وتلاشت مع مشهد التحرش، الفريد وغير المسبوق، في ميدان التحرير في أثناء الاحتفال بفوز السيسي بالرئاسة، وحاول محللون ومعلقون رسميون ومن حولهم حشر التحرش والانفجار الجنسي في زاوية العارض الذي يعاني منه المجتمع برمته، مع تحميل كتلةٍ غامضةٍ من الناس مسؤولية ما جرى. وتوج السيسي، الأمر بزيارة الضحية في المشفى، وكأنها من ضحايا كارثة طبيعية حلّت بالبلاد، وسمح لنفسه بأخذ مسافة عما جرى، والتعامل معه طرفاً ثالثاً، وربما رابعاً.
يبدأ التحليل الجاد لكل مظاهر الهوس الجنسي وتداخله مع المجال السياسي من أعلى، لا من أسفل، من السلطة ومن رموزها، ومن إدارتهم مجمل اللغط الجنسي حولهم، وإدارتهم الجنس اجتماعياً، بكل مؤسساته ومظاهره، مع إدراك أولي وضروي، مفاده أن السلطة عموماً، وفي حالة النظم الدكتاتورية خصوصاً، هي المحدد والمؤثر الرئيس في سلوك الناس في المجال العام، وهي المسؤولة عنه، عبر إعلامها وتقنياتها في ضبط الحياة الاجتماعية وإدارتها، بما يخدم سيطرتها، ويعزز صورتها حافظة للناس من أنفسهم بالدرجة الأولى.
ويكفي، هنا، إيراد مدخل بسيط للتحليل، ينطلق من الديكتاتور وصورته والخطاب حوله، فإن اعتبرنا أن الأشهر الماضية كانت مشهداً صالحاً للمراقبة، فالجنس والإحاءات حوله حاضرة في الخطاب عن السلطة، ولا يظهر المشهد إلا "دكرا" وحيداً، يقيم سطوته على قلوب النساء المعشوقات، ويبايعنه ذكراً قبل كونه رئيساً، واستكمالاً للمشهد، تأتي حالات التحرش الواسعة، والعدائية، تجاه جسد المرأة، ومحاولة إلحاق الضرر بها في جوهره، منازعة على الملكية ومحاولة لتأكيد التملّك بالعنف، ومحاولة من "الدكور" الآخرين إثبات وجودهم، وبعنف شبيه مصغّر.
لا جدوى، هنا، من لوم متحرش بعينه، ولا قيمة للتعامل مع التحرش، سلوكاً شخصياً، في وقت تحدد له السلطة فهمه وعلاقته مع جسد المرأة بالمجمل، ويظهر الديكتاتور محتكراً له، فذاك يحمل تبرئة ضمنية وصريحة للسلطة. وفي حالة مصر، يتم الأمر على أوضح صورة وشكل، فكل ما يجري من تحرش، وتحديداً الحالة الأخيرة، يجري على عين السلطة وتحتها، إلا أن السلطة تتقن الانسحاب من المشهد بهدوء، مطمئنة إلى التحليلات والمناقشات المعوّقة التي تحمي ظهرها خلال الانسحاب، وتحمّل المرأة والناس والفقر والدين، وأي شيء غيرها، مسؤولية ما يجري.
التحليل بعيداً عن التفكير في السلطة وأدوارها مريحٌ، لا يقود إلى صدام معها، ويمنح شعوراً بالفوقية والتعالي على تلك الدهماء التي تسمى الناس، ويلاقي رواجاً في أيامنا، وتحبه وسائل الإعلام – الغربية تحديداً. ولكنه قبل ذلك كله غير موضوعي وغير دقيق، وفوق ذلك كله، وفي حالة مصر؛ مشبوه.