الدول العربية والتجربة الصينية

13 اغسطس 2020
الصورة
كورونا يفاقم الفقر في القاهرة

عانت الولايات المتحدة، كما غيرها من دول العالم، من تبعات انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، الذي تسبب في وفاة أكثر من 165 ألفا، وإصابة أكثر من 5 ملايين أميركي، بالإضافة إلى فقدان عشرات الملايين من الأميركيين لوظائفهم، وتراجع النشاط الاقتصادي، وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي بمعدلات غير مشهودة منذ الحرب العالمية الثانية.
وسريعاً ترسخ في ذهن نسبة كبيرة من المواطنين الأميركيين أن الصين هي المسؤولة عن كل الآلام التي تسبب فيها الفيروس، خاصة مع إصرار الرئيس دونالد ترامب على إطلاق اسم "الفيروس الصيني" في كل مناسبة، فبدأ عدد كبير من المستهلكين الأميركيين في التحول عن شراء المنتجات الصينية، وتحجج بعضهم بإمكانية انتقال الفيروس مع البضائع الواردة من البلد البعيد، كما اتجه كثير من الشركات الأميركية التي كانت تستخدم في تصنيع منتجاتها مستلزمات إنتاج قادمة من هناك إلى تنويع مصادر الاستيراد، بعد تجربة تعذر ورود البضائع من الصين خلال فترة بداية انتشار الفيروس. 
ولم تكن الولايات المتحدة وحدها التي ألقت باللوم على الصين في كارثة الوباء، وإنما تبعها الكثير من دول العالم، في تصاعد واضح ومستمر للعداء تجاه التنين الصيني، حتى أن الإدارة الأميركية حالياً تعمل بالتعاون مع حلفائها في أوروبا وأكبر الاقتصادات حول العالم، على تجريد الصين من كل المزايا التي تمتعت بها خلال العقود الماضية، باعتبارها اقتصادا ناشئا، وهي المزايا التي سمحت لها أن تبلغ ما بلغته من مكانة مرتفعة في الاقتصاد والتجارة العالميين، وأن تصبح مصنع العالم الحديث، خلال السنوات الأخيرة. 
ومع التسليم بأن الفيروس كان العامل الرئيسي وراء الرغبات المتصاعدة من دول العالم في تجنب الاعتماد على الصين مستقبلاً، تشير تقارير صدرت مؤخراً إلى أن هذا التحول كان آتياً لا محالة، حتى لو لم يظهر الفيروس.

والأسبوع الماضي، أصدر معهد ماكينزي غلوبال، الذي يقدم تقاريره لحكومات الدول ومراكز دعم القرار فيها لمساعدتها في وضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية، دراسة توقع فيها تغير خريطة التصدير والاستيراد في العالم، حيث تتجه الحكومات للضغط على المصنعين لتوطين نسبة كبيرة من منتجاتهم والاعتماد على المواد الأولية والسلع الوسيطة المحلية. 

وأكدت الدراسة أن ربع التجارة السلعية العالمية ستتغير خلال السنوات الخمس القادمة لأسباب عدة، أهمها اعتبار التكلفة، وهو ما سيؤثر على ما تبلغ قيمته 4.6 تريليونات دولار من المنتجات المتداولة عبر الحدود الدولية، مشيرة إلى أن رغبة الدول في السيطرة على حركة السلع المستخدمة في عملية الإنتاج لديها ستطغى على اعتبارات التكلفة، وهو ما ستسعى إليه حكومات الدول تجنباً للحروب التجارية والتهديدات السيبرانية وما تسببه في كثير من الأحيان من خسائر ضخمة.
ورغم أن الدراسة والتطورات التي نراها كل يوم حولنا لا تعني أن الصين ستكون معزولة، أو أن مكانتها في النشاط التجاري الدولي، أو سلاسل التوريد العالمية، ستتراجع خلال الأيام أو الأسابيع القادمة، إلا أن هذا التيار آخذ في النمو، ومن الواضح أنه سيكون له الغلبة في المستقبل المنظور، الأمر الذي يخلق فرصا رائعة أمام العديد من البلدان العربية التي تعمل حالياً على بناء اقتصاداتها وتنويعها، عن طريق تحقيق تنمية صناعية، وُعدنا بها منذ عقود. 
وتعاني البلدان العربية من اختلالات هيكلية تشوه اقتصاداتها، حتى أننا لو استبعدنا صناعة البتروكيماويات، نلاحظ أن كل الدول العربية تقريباً تعاني عجزاً في ميزانها التجاري، بسبب استيراد كميات ضخمة من سلع أغلبها ترفيهية. 
ولو كان العرب جادين بالفعل في الحصول على دور في الاقتصاد العالمي، بعيداً عن صناعة البتروكيماويات التي علمت أغلبنا الكسل، وكانت فوائضها سبباً في انتكاسات كبيرة تعرضت لها الأمة، فمن السهل النقل من "كتالوغ" الصين، الذي مكنها من التربع على قائمة أكبر مصدري العالم. 

ورغم صعوبة نقل التجربة الصينية كاملة، يمكن البدء بما بدأت به الصين تحت قيادة الزعيم الأسطوري، ماو تسي تونغ، الذي اهتم بالتعليم، وارتقى بالنظام الصحي في بلاده، وسمح للنساء بالحصول على حقهن في العمل، فأرسى الدعائم الأساسية لخلق اقتصاد صناعي من طراز رفيع. 
وفي حين عطلت الصراعات السياسية وسوء إدارة الاقتصاد النمو الصيني خلال السنوات الأخيرة من حكم الزعيم ماو في السبعينيات من القرن الماضي، نجح دينغ شياو بينغ، الذي خلف ماو، في وضع الصين على طريق جديدة تماماً، بعد أن تسلم عجلة قيادة البلاد، لتتحول الصين من مجتمع زراعي إلى اقتصاد صناعي موجه نحو احتياجات السوق العالمية، ويلعب الدور الأكبر في منظومة التجارة العالمية. 
ورغم وجود عناصر كثيرة ساهمت في هذه النقلة، يجمع المؤرخون الاقتصاديون المهتمون بالشأن الصيني على أن العنصر الذي كان له الدور الأكبر وحده هو إفساح الدولة المجال للقطاع الخاص ليلعب دوراً في العملية الإنتاجية، بعيداً عن الحكومة التي كانت تسيطر على أغلب نواحي الاقتصاد، كما يحدث الآن في أغلب الدول الخليجية ومصر!
منحت الصين لمستثمري القطاع الخاص، المحليين والأجانب، إعفاءات ضريبية كبيرة، وقننت المزيد من الحريات في تحديد أسعار ما ينتجون، ولم تتدخل في سياسات توزيع الأرباح على حاملي الأسهم أو في معدلات الأجور، إلا أنها لم تتهاون في حماية حقوق العاملين في تلك الشركات. 

فتحت الصين الأبواب أمام الطلاب الصينيين للسفر والتعلم في الجامعات الغربية، وسمحت للشركات الأجنبية بالدخول في أسواقها، مشترطةً عليها نقل التكنولوجيا الحديثة إلى الشركاء المحليين، فتبوأت مكانتها كأكبر مصدر في العالم خلال الأربعين سنة الأخيرة. 
الوطن العربي زاخرٌ بالإمكانات البشرية منخفضة التكلفة، وارتفع بين شبابه مستوى التعليم بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة، ولدى بعض بلدانه الإمكانات المادية المطلوبة لإحداث طفرة صناعية فيها وفي غيرها من البلدان الأقل دخلاً، وهو ما يعني أن الإرادة السياسية الحقيقية هي كل ما تبقى، لكن يبدو أن تلك هي مصيبتنا الكبرى.