الدور السياسي للنائب العام
صدور الأحكام المغلظة ضد الصحافيين، بتهمة أن من لا تهمة له تصبح تهمته الكبرى إثارة الفتنة أو التحريض عليها، ومن بعد ذلك قيام النائب العام، كممثل للسلطة لا للشعب، بالطعن بهذه الأحكام، أو إخلاء سبيل المتهمين، كل هذا يشير إلى أن هناك وظيفة أخرى للنائب العام بخلاف وظيفته التي نعرفها، وظيفة مستترة وراء السلطة التنفيذية. على الرغم من أن مبدأ الفصل بين السلطات معروف ومقضي به منذ أيام أفلاطون، إلا أن النائب العام في حقبة الانقلاب، يلعب دوراً سياسياً بعيداً كل البعد عن دوره القانوني النيابي.
يبدو المشهد صريحاً في ما يتعلق بقرار إخلاء سبيل صحافيي الجزيرة المقبوض عليهم في إحداث فض اعتصام رابعة، والذي كان من بينهم الصحافي عبد الله الشامي، وذلك بعد قيام الجزيرة بتدويل القضية عالمياً، وفضح سلوكيات نظام الانقلاب، وكذلك يتضح الأمر أكثر، عند النظر إلى أحكام إعدام محمد بديع مرشد الإخوان، برفقة مئة واثنين وثمانين مواطناً آخرين، لاتهامهم بأعمال عنف وتحريض على الفتنة. تعرضت هذه المحاكمة أيضاً، لانتقاد عالمي شديد، ممثلاً في الأمين العام للأمم المتحدة، ومنظمة العفو الدولية، والاتحاد الأوروبي ووزراء خارجيته، الذين استنكروا في تصريحاتهم أحكام المحكمة بالإعدام الجماعي.
كذلك الأمر مع ما سمي بانتفاضة السجون، وقيام منظمات المجتمع المدني المعنية بحرية السجناء والمعتقلين، بالكشف عن حالات تعذيب وتحرش جنسي وبدني بالمعتقلين، خصوصاً الأحداث منهم، وقد أظهر هذا الدورَ الثاني للنائب العام، عندما قام بإخلاء سبيل أربعة متهمين أحداث، تتراوح أعمارهم ما بين السادسة عشر والثامنة عشر، ورجل مسنّ لدواعٍ صحية، فكل عمليات الإخلاء هذه قد تمت بعد أن قُتل تحت التعذيب معتقلون داخل زنازين الانقلاب.
السؤال الضروري، لماذا يظهر النائب العام مطلاً بقلم عدالته ساعة قيام المجتمع الدولي بالمطالبة بالعدل، بينما يلازم الصمت فى غير هذه الأحوال! لماذا يظهر نفسه محل رجل العدل، بعد أن يكون قد ثبت للجميع بأن هناك انتهاكات واضحة للقانون والدستور، أو ليس العدل مطلوباً من سيادته دوماً، وهو من يفترض أنه ينوب عن المجتمع في تحقيق العدل وتقصّيه، أم أنها لا تتحرك إلا بعد تصوير الفضيحة وانتشار وتداول مقاطعها. إن كل هذا يشير وبقوة إلى سطوة واضحة للسلطة التنفيذية على القضاء، ولا شك أن السيسي يتعامل بطريقة مخابراتية، تقول إن "واحدة قصاد واحدة"، أو عدالة مقابل تسهيلات.