الدور الروسي في أزمة اللاجئين: تحريض ودعم لليمين الأوروبي

الدور الروسي في أزمة اللاجئين: تحريض ودعم لليمين الأوروبي

09 ابريل 2016
الصورة
اليمين الأوروبي أقرب لبوتين (ميخائيل سفيتلوف/Getty)
+ الخط -

شيئاً فشيئاً، بدأت تتكشّف الأدوار التي أدتها روسيا، في أزمة اللاجئين بالاتحاد الأوروبي، فيما يخصّ المساهمة في تعقيد الأزمة، أو استغلالها لأغراض مدّ نفوذها إلى دول أوروبا الغربية. وهو ما ظهر من خلال مقال نشره موقع "أوبزرفر" للأكاديمي جون شندلر. وبطبيعة الحال، لم يكن شندلر أول من اتهم روسيا بأداء دور سلبي في ملف اللاجئين، إذ سبق للقائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا، الجنرال فيليب بريدلاف، أن اتهم روسيا والنظام السوري بـ"السعي إلى تهجير السوريين من منازلهم، لممارسة المزيد من الضغوط على أوروبا، بغية تليين موقفها من النظام السوري ورأسه"، وذلك في مطلع مارس/آذار الماضي.

ووفقاً لمقال شندلر، الذي حمل عنوان: "كيف تلاعب الكرملين بأزمة اللاجئين الأوروبية؟"، فإن "روسيا ساهمت في زيادة حدة أزمة اللاجئين في أوروبا، من خلال تقديم الدعم بملايين الدولارات، لأحزاب اليمين المتطرف الموالية لموسكو، في فرنسا وألمانيا، تحديداً تلك الرافضة لسياسات الاتحاد الأوروبي، المنفتحة نسبياً على اللاجئين".

ويكشف أن "الروس ساهموا في نشر الدعاية الإعلامية السلبية ضد اللاجئين، بغرض إخافة المواطنين الأوروبيين منهم، وذلك عبر وسائل الإعلام الروسية الحكومية، التي اختلقت أكاذيب حول اللاجئين، ومنها قولهم إن معدلات الجريمة ازدادت بسببهم، وذلك لخدمة أجندة اليمين الأوروبي المتطرف الموالي لهم". ويضيف شندلر أن "وكالات الاستخبارات الروسية، استغلت الأزمة، لأغراض تجسسية".


كما يلخّص شندلر انعكاسات أزمة اللاجئين على الاتحاد الأوروبي، التي وصفها بـ"الزلزال السياسي الذي يعد بإعادة رسم السياسات الأوروبية بصورة مهمة"، بنقاط عدة، تمثلت في "إعادة رسم الحدود الوطنية بين دول شينغن، بعد أن كانت قد اختفت لعقدين من الزمن"، بالإضافة إلى "عودة الأولوية للموضوع الأمني، بعد تدفق ملايين اللاجئين، الذين يُخشى أن يكون بعضهم راديكاليين".


لكن التأثير الأهم الذي يراه شندلر، يتمحور في صعود اليمين الأوروبي المتطرف، كما حدث مع صعود حزب "الجبهة الوطنية"، والذي يمثل أقصى اليمين في فرنسا. فضلاً عن صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، في آخر انتخابات على مستوى ألمانيا. ويرى بأنه "لا يُمكن التعامل معه بعد الآن باعتباره حركة هامشية، في ظلّ جهوده الجدية في سرقة الأصوات من تحالف أحزاب يمين الوسط الحاكم في برلين".

ويرى شندلر بأن "عهداً جديداً من السياسات اليمينية بدأ بالانتشار في أغلب دول الاتحاد الأوروبي، خلال السنة الماضية، مسنوداً بأزمة اللاجئين". ويعتبر بأن "توجّهات الانحياز إلى الوطنية وكراهية الأجانب، بدأت بالانتشار في أوروبا كنتيجة لطريقة تعامل الحكومات الأوروبية مع هجمات (العاصمة البلجيكية) بروكسل الأخيرة (22 مارس/آذار الماضي)". ويضيف أن "هذا يعني أن السياسات الأوروبية ستقوم بالتركيز مستقبلاً على التأثيرات الثقافية والاقتصادية والأمنية لموجة اللاجئين".

ويتساءل الكاتب عن "المستفيد من هذه الموجة". وللإجابة عن هذا السؤال، يعمد لتأكيد ملاحظات عدة، منها أن "من الصعب تجاهل أن أحزاب اليمين الأوروبي يملكون رؤية إيجابية تجاه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين". ويردف أن "اليمين الأوروبي الصاعد معجب بالكرملين بسبب عدم تقديمه أي اعتذارات أمام تأكيده على القيم التقليدية للمجتمع، وسيادة الدولة، بالإضافة إلى عدم تسامحه مع الأيديولوجيا الجهادية". ويلاحظ الكاتب هنا، أن "بعض التظاهرات الاحتجاجية ضد المهاجرين، في ألمانيا، كانت ترفع الأعلام الروسية".

في هذا السياق، يؤكد الكاتب أن "حزب الجبهة الوطنية الفرنسي، تلقّى تمويلاً بملايين الدولارات من الكرملين، الأمر الذي ينطبق على حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني". ويصف شندلر زعماء هذه الأحزاب بأنهم "يقومون بتمجيد بوتين ونظامه، ويرون روسيا كحصن للأيديولوجيا المحافظة، وحليف ضد احتلال المهاجرين لأوروبا".

يؤكد شندلر بأن "تمويل روسيا السري لأحزاب أوروبا ليس بالأمر الجديد، وهي التي كانت تدعم أحزاب يسارية كجزء من إرث الحرب الباردة"، لكنه يستدرك قائلاً إن "تمويل روسيا لحزبي الجبهة الوطنية والبديل من أجل ألمانيا، يكتسب أهمية حقيقية الآن، لأن هذه الأحزاب قد تصل أخيراً إلى الحكم، بسبب السياسات التي يتبنّونها تجاه اللاجئين".

من ناحية أخرى، يتهم الكاتب، الكرملين، بـ"اللعب على وتر الدعاية (البروباغندا) تجاه اللاجئين في أوروبا. وذلك إثر قيام وسائل إعلام روسية حكومية، كروسيا اليوم وسبوتنيك، بنشر قصص حول عنف المهاجرين في أوروبا". ويضيف أن "من مصلحة موسكو استغلال المخاوف الأوروبية، خصوصاً أنها قد تدفع المواطنين الأوروبيين إلى التصويت للأحزاب الأوروبية المؤيدة لروسيا".

ويتهم شندلر وسائل الإعلام الروسية بأنها "اخترعت المزيد من قصص أعمال العنف المنسوبة إلى المهاجرين"، والتي لم تحدث قط، وذلك من أجل إخافة الأوروبيين. ويصف هذه الجهود بـ"الحيلة القديمة للكرملين، المعروفة باسم: التضليل المعلوماتي في أعمال الجاسوسية، والتي لن تنجح إلا إذا كانت تستند، ولو جزئياً، إلى حقائق ملموسة".

ويُعدّد الكاتب في مقاله بعض الحالات التي اتُهم فيها مهاجرون، من قبل وسائل إعلام روسية، بارتكاب جرائم، تبيّن لاحقاً أنها لم تحدث، أو لم يرتكبها مهاجرون، تحديداً الأخبار التي تدخل ضمن دائرة "أخبار الإثارة" كأخبار الاغتصاب والاختطاف والاعتداءات الجنسية، والتي يهتم بها عامة الشعب في العادة، ويصدقونها.

إلى ذلك، يشير شندلر، إلى أنه "في وقتٍ يظهر فيه الدعم الاستخباراتي الروسي للسياسيين الأوروبيين، المنتمين إلى أقصى اليمين، ووقوف موسكو خلف أخبار الإثارة التي تُنشر حول اللاجئين، تبقى هناك أسئلة ملحة حول دور الكرملين في أزمة اللاجئين نفسها".

ويرى بأنه "من الواضح، أن النظام السوري، حليف بوتين، كان سعيداً بتصدير أزمة اللاجئين الضخمة إلى أوروبا، بينما ساهم تدخل بوتين في الصراع السوري العام الماضي، في زيادة تدفق اللاجئين من سورية إلى الغرب". ولا يستبعد شندلر أن تكون الاستخبارات الروسية قد قامت بـ "أداء دور مباشر في تشجيع المهاجرين على الذهاب إلى الاتحاد الأوروبي"، الذي يعتبر بأن الموضوع كان يُناقش في الدوائر الأوروبية المغلقة إلى فترة قصيرة، ولم يقم مسؤولون بالحديث عن الأمر بشكل مباشر، إلا أخيراً.

ويشير الكاتب إلى تصريحات وزير الدفاع الفنلندي، جوسي نينيستو، الذي يصف تدفق اللاجئين إلى بلاده عبر روسيا، بـ"التهديد الأبرز". ويُصنّف شندلر ما ذكرته الحكومة الفنلندية، بأنه "اتهام مفتوح ومباشر للكرملين والاستخبارات الروسية، بالمساهمة في تدفق اللاجئين إلى فنلندا"، معتبراً بأنها "تستخدم اللاجئين كسلاح لزعزعة استقرار أوروبا".

ويضيف الكاتب أن هناك "مخاوف من أن تقوم وكالات الاستخبارات الروسية باستغلال أزمة اللاجئين، في ظلّ المخاوف من قيام الكرملين بتمرير عملاء سريين إلى أوروبا من ضمن اللاجئين، على أن يرتكبوا اعتداءاتهم فور وصولهم إلى أوروبا".

ويرى شندلر بأن "أجهزة الاستخبارات الغربية حذرة بالفعل من قدرات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على إرسال جهاديين متسللين إلى أوروبا كلاجئين"، لكنه يستدرك قائلاً إن "قدرات روسيا على استغلال تدفق اللاجئين لأغراض تجسسية، ستكون متفوقة جداً على أي شيء يستطيع داعش فعله".

المساهمون