الدستور العربي الجديد

الدستور العربي الجديد

02 مايو 2014
الصورة

تونس بدأت البحث عن الدستور العربي الجديد (أرشيفية)

+ الخط -
إذا كانت مدنيّة الدولة قد شكلت عقدة النقاش الذي استغرقته المرحلة التأسيسية لما بعد الثورات، في موضوع الهوية، فإن السُلطة التنفيذية قد شكّلت، بالموازاة مع ذلك، عقدة النقاش في موضوع نظام الحُكم.
وهكذا، تعايش داخل دستورانية "الربيع العربي" قلق الدستور الثقافي، بأسئلته الحرجة بشأن إعادة تعريف المجموعة الوطنية، وإشكاليات الانتماء، وعلاقة الدين بالدولة، وقضايا الحقوق الثقافية، مضافاً إليها توتر الدستور السياسي، بالجدل الكبير حول اختيار طبيعة النظام السياسي لما بعد الثورة.
كان على النُخب العربية أن تعيد إنتاج جدلٍ، كان يبدو كلاسيكياً ومُتجاوزاً، بشأن أفضلية النُظُم السياسية، وأكثرها ديموقراطية: الرئاسية أم البرلمانية أم المُختلطة، لكن، هذه المرة، بشكلٍ بعيدٍ عن تعلُّق الأمر بمجرد قناعاتٍ أكاديمية متقاطعة. فوراء كل اختيار كانت تبدو بوضوح رهانات الفاعلين السياسيين وتقديراتهم الظرفية وتقييمهم الذاتي لحجمهم الانتخابي، وحجم خصومهم.
وهكذا، شكّل هذا النقاش فرصة لاختبار الحجج المتبادلة، دفاعاً عن كل اختيار من الاختيارات، حيث ذهب المترافعون من أجل نظام الحكم البرلماني إلى استحضار الحاجة الماسة للقطيعة، على مستوى الهندسة الدستورية، انطلاقاً من مسؤولية الانحراف الرئاسوي الذي عرفته مؤسسات الأنظمة السياسية، في الوصول إلى لحظة الانفجار الكبير لعام 2011.
بل إن الاختيار البرلماني، كثيراً ما تم تقديمه، خصوصاً من الفاعلين القادمين من معارضات صعبة للسلطوية، كآلية مؤسساتية لعدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
في المُقابل، انطلق المدافعون عن الاختيار الرئاسي، أو المختلط، من ضرورة الحرص على تفادي اختصار الديموقراطية في النظام البرلماني، ومن نفي مسؤولية الاختيار الدستوري الرئاسي في إنتاج حالة العطب المؤسساتي والاستعصاء الديموقراطي العربي، معتبرين أن ضعف البُنى والتقاليد الحزبية، وطبيعة الثقافة السياسية السائدة، ومخاطر التحوّل الانتقالي الهشّ، كلها عوامل ترجّح لديهم الحاجة الى نظام سياسي يقوده رئيس بصلاحيات قوية، في حدود ما تقرّه مبادئ المساءلة السياسية والرقابة الديموقراطية.
تحَكَّم في صياغة دساتير تونس ومصر، في باب نظام الحُكم، هاجسان أساسيان، يتعلق الأول بالحرص على معالجة الاختلالات الفادحة في توازن السلطات والمؤسسات، عبر محاولة إعادة التوازن إلى علاقة كل من الحكومة والسلطة التشريعية مع الرئيس، بشكل يسمح من جهة بخروج الحكومة من ظل الرئيس، وتحولها شريكاً فاعلاً، ومن جهة أخرى بحل إشكالية اللامسؤولية السياسية للرئيس أمام البرلمان.
الهاجس الثاني ارتبط بمحاولة إعادة توزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية، عن طريق "أنسنة" الصلاحيات التنفيذية للرئيس وتحجيمها، وتقوية قائمة الصلاحيات المستقلة التي تحصل عليها الحكومة، ثم تكريس نمط جديد من تقسيم السلطة التنفيذية بين الرئيس والحكومة.
وفي النهاية، إن التفاوض وإعادة التفاوض بشأن نظام الحكم بين فاعلي مشهد ما بعد الثورات، سمح بإنتاج نظام دستوري مُختلط في تونس، يتأسّس على تقسيم للسلطة بين صلاحياتٍ ذات طابع سيادي وتمثيلي للرئيس، وبين صلاحيات تدبيرية للحكومة، تهم السياسات العمومية غير ذات العلاقة بالدفاع والأمن القومي والخارجية.
وبإنتاج نظام دستوري رئاسي مُعقلَن في مصر، احتفظ فيه الرئيس بقُبّعتي رئاسة الدولة والسلطة التنفيذية في الوقت نفسه، وإذا كان لا يتأسس على التقسيم الواضح نفسه للصلاحيات التنفيذية في الحالة التونسية، فإنه يحاول أن يعيد التوازن إلى نظام رئاسي شهد انحرافات رئاسوية كبرى، عبر عقلنة صلاحيات الرئيس، ونقل الحكومة من حالة الشريك الثانوي إلى وضع أكثر تقدماً.
إعادة تركيب المواقف والأحداث السياسية في البلدين، من خلال مخاضات الدسترة، من شأنها أن توضح الطبيعة التوافقية لنظام الحكم الذي أُقرّ في تونس، والذي يبدو من خلاله حجم التنازل الذي قدمته، مثلاً، حركة النهضة التي تشبثت، في البداية، بفكرة نظام الحكومة البرلمانية القوية والرئيس المحدودة صلاحياته، في مواجهة تمسك ممثلي القوى الليبرالية واليسارية بالنمودج الرئاسي.
أما في مصر، فالملامح الكبرى لنظام الحكم لم تتغيّر كثيراً بين دستوري 2012 و2013، ما يعني، كما لاحظ الباحثون، أن شكل النظام الذي كان موضوع توافق بين الجيش وممثلي الدولة العميقة من جهة و"الإخوان المسلمين" من جهة أخرى عام 2012، هو نفسه الذي شكل أرضية التوافق الجديد بين الجيش وممثلي الدولة العميقة من جهة وأعداء "الإخوان" من جهة أخرى عام 2013.
هل شكّلت الدساتير، في زمن الربيع العربي، تدويناً لروح الثورات، أم كتابة لتسويات اليوم التالي للثورة؟ هل الدستور العربي الجديد هو الذي يستحق "العربي الجديد"، والذي بزغ في ربيع 2011؟ أسئلة تقدم الجواب عليها مسالك عديدة في قراءة الدساتير الجديدة.
عموماً، سيكون من شأن المرحلة المقبلة، مرحلة ما بعد الدسترة، أن تدعونا إلى تنسيب أوهام كثيرة، عادة ما تصاحب الرهان على آثار سياسية فورية، لتغييرات قانونية ومعيارية، وإلى استحضار عدم التطابق النظري والتاريخي بين الدستورانية والديموقراطية.
علينا أن نتذكر، دائماً، أن أصل العطب العربي يكمن في الطبيعة السلطوية للأنظمة، وأن الخروج من السلطوية مسار طويل ومعقّد، يشكّل البناء الدستوري أحد مداخله المُمكنة، وليس سُدرة منتهاه.