الدراما السورية: من التألق إلى الانحطاط

24 مايو 2020
الصورة
الممثل السوري تيم حسن (الصبّاح للإنتاج)
بدخولنا الألفية الثالثة كانت الدراما السورية قد أسدلت الشراع، واستعدت للإبحار بأعماق أكبر، وهي واثقة الخطى، وذلك عبر أعمال تناسب الواقع الجديد، وتحاكي التعقد الذي أصاب الحياة، لتجعل من كل شخصية نموذجاً يطابق من في بالنا. كشخصية ابن المسؤول المتنفذ الطائش من خلال قصي خولي في مسلسل "غزلان في غابة الذئاب"، وشخصية الشاب الشعبي الزقاقي الذي يفتعل المشاكل كتيم حسن في مسلسل "الانتظار"، أو الرجل المتديّن الذي يستخدم الدين كستار لشهواته الخاصة كمصطفى الخاني في مسلسل "ما ملكت أيمانكم"، أو الفتاة المعذبة المقهورة التي عانت من ظلم عائلتها وبطش المجتمع وانعدام رحمته كسلافة معمار في "زمن العار"، والعد لا ينتهي في نجاح وتفوق كبير، عندما لم تكن الدراما السورية في جيب أحد!

دراما خلط الأوراق
دخلنا في مرحلة جديدة في السنوات الأخيرة، جعلت الأحداث في سورية هي المانشيت العريض لكل كاتب درامي، لا يمكنه أن يمشي عكس تياره، وإلا اتّهم بالترف. وحينها أصبحت الدراما التلفزيونية تحت خط الفقر الفني من الناحية الإنتاجية وحتى الفنية، مع تشرذم الفنانين والفنيين في كل بقاع الأرض والمشاكل الأمنية وغيرها. وهنا برزت الدراما العربية المشتركة بشكل كبير التي خلطت ما بين المخرج والكاتب والفنان السوري مع المنتج والفنان اللبناني وأحياناً المصري أو الخليجي. وانسلخت الدراما عن محتواها الواقعي لتجعل من أخوة سوريين لديهم أخ مصري كما في مسلسل "الأخوة"، أو أزواج من دول مختلفة وأم الزوج من بلد وأم الزوجة من بلد دون حبكة درامية مقنعة كانت تبرر، إما بوجود السوريين في عدة دول، وإما أنّ الممثل كان مسافراً ببلد لفترة طويلة أو بصلة قربى بعيدة وغيرها. ولم تعد الدراما تشبهنا ولا نشبهها، والدراما السورية الصرفة تضاءل دورها لأنها اتبعت سياسة شد الحزام بالنفقات وبالتصوير وحتى بالنصوص وأزمة "الموالي والمعارض" وغيرها. وهذا ما جعل الدراما المشتركة تتصدر المشهد، ولكن بهدف التسلية ورؤية النجوم وستايلاتهم لا أكثر، فتيم حسن الذي لعب في "الانتظار" دوراً واقعياً، أصبح اليوم بعيداً كل البعد عن واقعنا. والحال ليس أفضل بالنسبة لباسل خياط وقصي خولي ومكسيم خليل وغيرهم، ولم أذكر الممثلات، لأن المشهد المشترك يعتمد على فنان سوري وفنانة عربية، لا نعرف إن كانت هذه موضة درامية أو أنَّ أحدهم قام بها وركب الباقي الموجة. هذه الأعمال المشتركة جيدة أحياناً، ولكن هل تعبر عن المجتمع؟ لا. هل تنقل شخصيات من الطريق إلى داخل المطبخ الدرامي؟ أيضاً لا.


ورقة التوت الأخيرة
مع الموسم الدرامي الحالي، سقطت ورقة التوت الأخيرة عن الدراما السورية، لتتعرى أمام المشاهد بأعمال ليست فقط غير منطقية، بل وقحة أحياناً، لا تحترم البيت الذي تدخله في الشهر الفضيل. فأصبح أمراً عادياً أن نجد شرب الحشيش من عادات شخصية العمل، وليس الهدف طرح قضية التعاطي. وأصبح أمراً طبيعياً أن يعتذر المخرج أمام الإعلام على خطأ فادح لأنه لم يشرف على المونتاج. والطبيعي أكثر أن يصبح الإسفاف من أساسيات الوجبة الدرامية، علماً أن التلفزيون لا يبيح المحظورات كالسينما. ولكن الدراما عندما تنقل أحاديث غرف النوم وصالونات القمار وأبهاء الفساد السياسي إلى الشاشة الفضية، تصبح نحاسية إن صح التعبير.
نحن بحاجة أن نعيد ما قاله الشاعر إلياس فرحات بوصفه الغرب "بنو التايمز والسين" لنسقطه على بعض صنّاع الدراما الذين سقوها اليوم من نهري "التايمز والسين" اليوم، بعد أن كانت درامانا تشرب من بردى!