الدراما السورية.. حربٌ للبيع (1- 3)

02 يونيو 2017
الصورة
(شارة مسلسل وردة شامية)
+ الخط -
في سورية، دخلت كل مفاصل الحياة حالة من التخبط منذ ستّ سنوات، لحظة اندلاع الثورة في البلاد، ووضعت هذه الحالة المجتمع السوري أمام تحدّيات كبيرة على صعيد التعايش والهوية، وكذلك وضعت الفعاليات الاجتماعية أمام تحديّات الوجود والثبات والدور الفعال في تنجية البلاد من حرب طاحنة، لكن الواقع اليوم يقول إنها فشلت.

في ذلك الوقت كانت الدراما التلفزيونية في سورية إحدى أنجح وأهم صناعات الفنون والميديا في البلاد بل وفي المنطقة العربية عمومًا، حيث شكّلت على مدار عقدين تقريبًا عنصر جذب هام لرؤوس الأموال العربية وتمكّنت بحرفية عدد من المخرجين ووجود فنانين مهمّين وموهوبين من طرق باب كل بيت عربي وتعليق أعين المشاهدين لساعات طويلة على دمشق، ولا سيما في شهر رمضان المبارك، موسم الدراما العربية.

في الحقيقة كان يُنظر للدراما في البلاد على أنها فخر الصناعة السورية، ويُنظر للقائمين عليها على أنهم نخبة المجتمع ووجه سورية إلى العالم العربي، وكان هذا ما وضع صناعة الدراما في تحد كبير بعد 15 آذار/ مارس 2011.

موسم رمضان 2011 لم يكن مهمًا حيث جاء عقب الثورة بخمسة أشهر وكان من الواقعي أن لا يحمل أي رسالة أو لا يعكس أي صورة من الشارع السوري المشتعل حينها، كل المسلسلات كان إنتاجها قد اعتمد قبل ذلك، وموقع التصوير الرئيسي وهو دمشق، لم يكن قد تأثر بمظاهر الاحتجاجات السلمية.

في موسم 2012، كان الشارع السوري والعربي يرتقب ما هي الأعمال التي يمكن أن يأتي بها السوريون وبلادهم في أتون حرب تأكل كل ما حولها، لتمر على الشاشة أعمال دون المستوى فنيًا وإنتاجيًا، مثل "تحت سقف الوطن" لنجدة أنزور وغيرها من الأعمال، وربّما إذا ما اعتبرنا أن مسلسل "عمر" هو دراما سورية استنادًا لمخرجه وجلّ أبطاله فيمكن أن نقول إنه أنقذ الموسم.

التحديّات التي واجهتها الدراما السورية في ذلك الوقت كانت كبيرة؛ حيث يرى الصحافي المهتم بشؤون الدراما أنس فرج، أن أكبر الأزمات إلى جانب الحالة المادية كانت حالة الشتات الفني السوري، حيث يقول في حديث إلى "جيل": "كانت أكبر الأزمات اقتصادية، بداية حيث انخفض سعر المسلسل السوري، وبالتالي انخفض أجر العامل سواء كان فنانًا أو فنيًا. ومن ثم تحول الموضوع إلى تقسيم غير منصف ينال فيه النجوم الذين تتمسّك بهم شركات الإنتاج لتسويق المسلسل الحصّة الأكبر من الكعكة، بينما ينال الفنيون الفُتات، ما أدّى إلى الهجرات، وهي الشكل الثاني من الأزمة الدرامية، انطلاقًا من هجرة النجوم التي بدأت قبل الصراع إلى مغادرة فنانين بسبب الموقف السياسي".

تلت هذه الظاهرة هجرة الكتّاب ومن ثم المخرجين وتلتهُما هجرة الفنيين، ليشهد القوام الفنّي السوري حالة شتات في دول الجوار والدول الخليجية ومصر، وإلى حدٍّ بعيد اتفقت المخرجة السورية إيناس حقي مع هذه التحدّيات، حيث وجدت أن تحكّم رؤوس أموال غير سورية في الدراما جعلها تبتعد عن تصوير حقيقة ما يحدث في البلاد لأسباب تسويقية، وقالت حقي "أصبحت رؤوس الأموال غير السورية تخشى من الاستثمار في سورية، وقرّرت القنوات الفضائية العربية النأي بنفسها عن الموضوع السياسي - حتى وإن كانت تابعة لحكومات تدّعي دعم الثورة السورية، ووجد صنّاع الدراما أنفسهم إن أرادوا الاستمرار في العمل، مضطرين للهرب من معالجة الواقع السوري أو التحايل عليه، ما أفقد الدراما السورية أحد أهم عناصرها وهو كونها مرآة للواقع السوري وكان ذلك قد سبق الثورة بقليل".

من صلب التحدّي الاقتصادي برز أيضًا للدراما السورية تحدّي التسويق، فحتّى بعد الحصول على ميزانية إنتاجية جيّدة لإنتاج عمل محترم، كيف نبيع هذا العمل؟ وهذا التحدّي يصفه فرج بـ"الأثقل"، قائلًا: "الأزمة الأثقل كانت التسويقية بعد انكماش القنوات التلفزيونية عن شراء مسلسل سوري يحمل أبعادًا أو إسقاطات سياسية. والانتقال إلى الإفراط في إنتاج البيئة الشامية للحفاظ على خط الإنتاج الواسع في هذا الميدان دون سواه".

معظم العاملين في الدراما السورية والمهتمين بها، يجمعون على الحالة الاقتصادية، والتحدّي السياسي والأخلاقي كان أبرز ما واجه الدراما السورية بعد العام 2011 والذي أدى بالدراما، بحسب إيناس حقي، لتكون غير قادرة على تجاوز ما هي فيه، لكنها لفتت في نهاية حديثها لنا، أنه "في المقابل تستمرّ الدراما السورية في إنتاج الأعمال التي تحاول إيجاد مخرج للمأزق الذي تواجهه، وتبدت هذه الحلول في الأعمال العربية المشتركة وأعمال البيئة الشامية"، ليبقى السؤال معلقًا: كيف واجهت الدراما السورية تحدياتها؟ وما هو الدور الذي لعبته في الحالة السورية وتبعاتها؟

المساهمون