الدراما البوليسية السورية: جرائم في الذاكرة

26 يونيو 2020
الصورة
"النحات" من أبرز المسلسلات البوليسية في الموسم الأخير (فيسبوك)
تتنوع أعمال الدراما التلفزيونية، منها البدوي والتاريخي والاجتماعي والكوميدي، ولكل جمهوره الذي يحبذه. لكن الدراما البوليسية، استطاعت دوماً أن تستقطب شريحة كبيرة من الناس، ولا سيّما أنها قائمة على عنصر مهم جداً وهو التشويق.
لطالما كانت الدراما السورية قادرة على استقطاب الجمهور من خلال هذا العامل، عبر أبرز المسلسلات التي قدمت حكايات مختلفة عن الجريمة والألغاز التي يكتشفها المحققون، وبعضها كان مقتبساً عن قصص حقيقية حدثت فعلاً في سورية، ولعل أبرز الأعمال بدأت في التسعينيات، حين قُدِّمَ مسلسلان أحدثا ضجةً في الشارع السوري، وهما "جريمة في الذاكرة" و"المجهول"، عن روايتين للكاتبة الشهيرة أغاثا كريستي، إذ حقق العملان، ولا سيما "جريمة في الذاكرة"، حالة مختلفة من المتابعة حيث كان ينتظر الناس عرضه، لما فيه من غموض وتشويق، رغم ضعف الإمكانات البصرية وقتها.
تتالت الأعمال البوليسية في ما بعد، إذ قدم الفنانان غسان مسعود ونورمان أسعد مسلسل "قصص الغموض"، الذي يحكي في كل مرة قصة جريمة تحدث ليتم كشف حقائقها. ودخل الكاتب هاني السعدي هذا المجال أيضاً في مسلسل بعنوان "خط النهاية"، الذي حقق صيتاً ذائعاً، فكان يتناول كل حلقتين أو ثلاث جريمة جديدة، يكتشفها مجموعة من المتحرّين لعب دورهم وائل رمضان وعبير شمس الدين ونضال نجم.

وفتح مسلسلا "خط النهاية" و"قصص الغموض" خطاً جديداً لأفكار مختلفة، فبحكم أن العملين كانا يقدمان قصصاً متنوعة لعدة جرائم يكتشفها نفس المتحرّين، وبذلك كان الجمهور يتابع عدة حكايات من دون ملل، وينتظر التفاصيل، جاء مسلسل "كشف الأقنعة" الذي لعب أدوار البطولة فيه عدد كبير من نجوم سورية، إنما الشخصيات الأساسية لفريق التحقيق كانت لعابد فهد، وميلاد يوسف، وكندة حنا، وأيضاً بنفس الفكرة، فهناك جرائم تحدث يتقصى المحققون حقيقتها، ولعل مسلسل "وجه العدالة" كان الأبرز بحكم أنها قضايا حقيقية مقتبسة من جرائم حصلت فعلاً، كتبها المحامي السوري الشهير هائل منيب اليوسفي، والصدى الذي حققه "وجه العدالة" كان لافتاً وكبيراً في الشارع السوري، ليس فقط لأن كل حلقة تقدم قصة جديدة وجريمة مختلفة، بل لأن القاعدة الشعبية مبنيّة للمسلسل منذ زمن وذلك من خلال العمل الإذاعي الشهير "حُكم العدالة" الذي كان يُبَث كل ثلاثاء على إذاعة صوت الشعب وينتظر الناس حلقاته بفارغ الصبر، فتسمع الحلقة كاملةً من راديوهات الجيران والدكاكين في التسعينيات وحتى الألفينات كل ثلاثاء، والعمل الإذاعي كان لهائل منيب اليوسفي أيضاً، لذلك حينما تحول للشاشة بثلاثين حلقة وهي أقل بكثير من عدد الحلقات التي سمعناها على الإذاعة، لاقى العمل صدىً كبيراً لما فيه من تشويق وحماسة وقصص حقيقية مؤثرة.

وفي الموسم الأخير، برز عملان مهمان حازا على إعجاب عدد كبير الناس، وهما "النحات" و"مقابلة مع السيد آدم"، والعملان يدوران في خط بوليسي واضح، فقصة "النحات" المعروضة بخمس عشرة حلقة بسبب توقف العمل نتيجة كورونا، استطاعت الكاتبة بثينة عوض تطويعها لتخدم التشويق والغموض، فنحن أمام ألغاز متلاحقة، لا نكشف منها إلا خيوطاً تتضح أنها متشابكة بشكل معقد، فكل شخصية تنفتح على أخرى، والكل متورط في جريمة قديمة وخائف من فتح دفاترها. ورغم أن العمل لم تكتمل قصته بعد، لكنه شد الناس بتفاصيله الغامضة، وأداء الفنانين الذكي والمهم، ونال أيضاً مسلسل "مقابلة مع السيد آدم" متابعة كبيرة.

ورغم أن المسلسل لم تنتهِ حكايته أيضاً، لأن هناك جزءاً آخر، إنما قدم مخرج وكاتب العمل فادي سليم حكاية محبوكة الأطراف ضمن جريمة تتورط فيها دائرة ضيقة تتسع في كل حلقة بشكل مفاجئ. ورغم أن العمل قد يغلب عليه الطابع الأجنبي كما "النحات" أيضاً، لكنه قدّم حكاية متشعبة تشويقية مسكت الجمهور منذ الحلقة الأولى حتى الأخيرة.
رغم أن عدد الأعمال البوليسية قليل إجمالاً مقارنةً بغيره من الأنواع، لكنها رغم ذلك تستقطب في كل مرة شريحة واسعة من الجمهور، ما يدل على أن المتابع يرغب في هذه القصص التي تلفت انتباهه وتخلق لديه حالة من التشويق، فهو في كل مرة يكتشف حكاية جديدة وتفاصيل لم يتوقعها، في حين لا يحدث ذلك في الأعمال الأخرى، سواء أكانت اجتماعية أو شامية، فالنهايات متوقعة والحكاية في غالب الأحيان تدور في دائرة واحدة، عكس العمل البوليسي متشعب الأطراف والمفاجئ بحكاياته.