الدراجة الألمانية واليوم العالمي للفلسفة

20 نوفمبر 2016
الصورة
إمّا فان لِست/ أستراليا
+ الخط -

معلّمي الأول في ألمانيا رجلٌ غريب الأطوار، درس الرياضيات في "جامعة لايبزغ" ثم تزوج، وانفصل بعدها عن زوجته - التي لا يزال يصفها بالمرأة الجميلة واللطيفة - من دون وجود خلاف، بعدها قرّر أن يعيش وحيداً بقية حياته.

نعملُ سويةً في ورشة تقع على أطراف مدينة فايمار، نُصلح الدراجات الهوائية القديمة. أكثر ما يعجبه هي تلك الدراجات التي صُنعت في جمهورية ألمانيا الشرقية، دائماً ما يُقدّم لي الحجج الكافية لأقتنع أنه على صواب في ذلك.

يقول "إن التقنيات في غير مكانها ليست أكثر من هراء، على الرغم من أن الدراجات الحديثة تتسم بالخفّة والسرعة، إلا أن رأس المال يضع اليوم في الدراجة ما لا تحتاجه فقط كي يستمرّ الإنتاج"، ثم يتغنّى بالحديد القديم ويدّعي تفضيله على الذهب.

هذا الرجل لا يتوقف عن التفكير بكل شيء وعن توجيه الشتائم إلى أغاني الراديو، لا تُعجبه ألمانيا الشرقية التي يحنّ إلى بساطتها ولا ترضيه ألمانيا الحالية التي يجد نفسه تائهاً فيها، يكتفي بالقول: لا أريد شيئاً.

"تخيّل نفسك واقفاً وسط أوركسترا ضخمة محاطاً بالأنغام من كافة الجهات"، هذا ما يكرّره دائماً، معبّراً عن إدمانه على الموسيقى الكلاسيكية، غير شاعرٍ بالحرج من أن يلعب دور المايسترو إذا ما سمع صدفةً على الراديو مقطوعة لبيتهوفن أو فرانتز ليست، ذلك كلّه قبل أن يحتبس الدم في وجهه ويشرد لدقائق.

اشتريت منذ ستة أشهر دراجةً هوائية قديمة من الورشة ذاتها ولم أكن بعد أعمل فيها، أتجوّل عليها كل صباح في مدينة فايمار متجهاً إلى معهد اللغات ومن ثم إلى العمل في الورشة، مبدأ عملنا الأساسي هو إصلاح كل الدراجات المتبقية من الحقبة الاشتراكية، محاولين أن نُنعش ما يمكن أن يبقى على قيد الحياة. نُضحّي بدراجة مقابل إصلاح ثلاث أو أربع ونرمي بخردة الحديد في آلة ضاغطة كبيرة، حيث يقف السّيد زيغرت أمام كومة الحديد في مشهد رثائي مهيب.

ذات صباحٍ، قمت بطلاء تلك الدراجة الخضراء باللون الأصفر، وبعد عدة أيامٍ بدأ الطلاء الرديء بالزوال شيئاً فشيئاً، حتى أصبحَتْ محطّ أنظار المارّة من الألمان والأجانب على حد سواء، حيث يعمل تداخل اللونين الأخضر والأصفر على لفت الانتباه بطريقة غريبة.

في سؤالي له عن سبب دراسته للرياضيات، تحدّث الرجل عن الأشجار العالية والخريف وأعمدة الكهرباء والليل الطويل في ألمانيا والإضاءة الصفراء في المنازل، عن مدافئ الحطب والأكواخ البعيدة وجبال الألب، لم يذكر كلمة واحدة من الكلمات التي يردّدها مدرسو الرياضيات، واختتم الحديث بعبارة: ما أطيب البيرة والفلسفة!

ما من شيء ربما يدعو إلى الكتابة، إلا أنني استرجعت كلام السيد زيغرت عندما اعترضني على شبكة الإنترنت تقرير عن اليوم العالمي للفلسفة في باريس، يظهر إلى جانبه إعلانات مغرية لأحذية جذّابة.

دلالات

المساهمون