الخيار الصعب بين الحرية والصحة

01 ابريل 2020
الصورة
+ الخط -
لم يسبق في التاريخ أن وجدت البشرية نفسها، بمن فيها سكان الدول الديمقراطية، أمام اختيار صعب ما بين الصحة أو الحرية. فمن أجل التصدّي لانتشار وباء فيروس كورونا، قرّرت دول عديدة فرض حظر صحي على مواطنيها، يحدّ من حرية تحرّكهم، ويحرمهم من حرّيات كثيرة، كانت تعتبر مكتسبةً، بل وسارعت حكومات دول عديدة إلى سن قوانين زجرية، تعاقب بالسجن النافذ والآني كل من يخالف تدابير الحظر الصحي، على الرغم من أنها مؤقتة. حدث ذلك كله من دون أن يرتفع أي صوت يحتج أو يعارض، بل ما حدث هو العكس، أي قبول على نطاق واسع ما وصفتها صحيفة لوموند الفرنسية أجواء عالم جورج أورويل، ففي أغلب الدول التي فرضت حظرا صحيا، تراجع دور البرلمانات، ونسي الناس استقلال القضاء، وتوارى صوت المجتمع المدني، واختفت نبرة النقد من وسائل الإعلام، وتم تسليم السلطة لقوات الأمن والجيش، للحد من حريات الناس العامة، استنادا إلى قوانين مرتجلة سنت على عجل، وتابعنا كيف تم خرق حتى هذه القوانين الطارئة والاستثنائية في دول عديدة عادت السلطة فيها إلى فرض عقوباتٍ من القرون الوسطى على الناس، مثل ضربهم بالعصي في الشوارع، وإجبارهم على الانبطاح أرضا، والزحف على بطونهم، إمعانا في إذلالهم، أو بالصفع والركل المصاحب بالشتائم المهينة والحاطّة من كرامة الناس. نعم، حدث هذا كله في أكثر من دولة في غياب شبه تام لأية سلطة مراقبة أو سلطة مضادة، بما فيها حتى سلطة الإعلام التي أصبحت، هي الأخرى، مهدّدة بتدابير استثنائية، جعلت صوتها يتوارى خلف رأي عام اختار التنازل طواعية، وبدون نقاش، عن حرّياته التي ناضل من أجلها عدة قرون، والانتصار لغريزته الحيوانية في حب البقاء. وبدلا من النقد، وحتى إن حصل فهو خجول، ارتفعت أصوات مرعوبة تبرّر وتدافع، بهستيرية، عن تجاوزات السلطة بدعوى حماية الصحة الجماعية للمواطنين! 
تبدو اليوم هذه الإجراءات مؤقتة، ولذلك قبل بها الناس بدون تحفظ لحفظ حياة البشر فوق 
الأرض، لكن الأخبار التي تأتي من الصين، وهي ليست نموذجا يحتذى في مجال احترام الحريات العامة، تذهب في اتجاه استباحة الحياة الخاصة للناس مستقبلا، بفرض مراقبة فردية عليهم تتتبّع حركاتهم وسكناتهم، وتقيس درجة حرارتهم بدعوى مراقبة حالتهم الصحية حفاظا عليهم، وهو ما يضع الناس مستقبلا أمام خيارين صعبين: التنازل عن حريتهم لحفظ صحتهم أو أن يعرّضوا أنفسهم للأمراض والجراثيم القاتلة أو للسجن بدعوى أنهم يهدّدون استمرار الحياة البشرية على وجه الأرض. فهل ستفتح هذه الأزمة الباب لعودة أنماط جديدة ومتطورة من الأنظمة الاستبدادية التي تحصي أنفاس الناس، وتفرض وصايتها عليهم؟
قد يبدو هذا السؤال، في الوقت الحالي، مستفزّا لكثيرين ممن وقعوا ضحية الحالة النفسية التي فرضتها أجواء الخوف والهلع السائد عبر العالم، والذي يتم تضخيمه يوميا عبر نشر مزيد من الإشاعات والأخبار المزيفة وأخرى غير مؤكدة، فرضها هذا المرور القسري بالمنطقة القاتمة في عصر المعلومات. وهذا نقاش آخر، يضع الثقة في وسائل الإعلام مستقبلا على المحكّ، فقد أظهرت هذه الأزمة تزعزع الثقة، حتى في وسائل الإعلام السائدة أو التقليدية في أجواء الرعب التي تزرعها الإشاعات والأخبار الزائفة في نفوس الناس في كل مكان.
ولكن هذا الربط بين صحة الناس وحريتهم، وخصوصا حرية التعبير، أصبح اليوم يفرض نفسه أكثر من أي وقت مضى، أمام توجه حكومات عديدة إلى سن قوانين قد تنتقص من الحقوق الأساسية للناس، بدعوى الحفاظ على سلامتهم الصحية. وقد بدأت بالفعل دول وحكومات عديدة، خصوصا في منطقتنا العربية، سن قوانين تستهدف الحد من حريات الناس بصفة عامة، وخصوصا حرية الرأي والتعبير.
المطلوب اليوم ليس مزيدا من التضييق على حرية الناس، وخصوصا حرية التعبير، وإنما 
تعزيزها بما يضمن للمواطن الحق في الحصول على المعلومات التي تخص أمنه الصحي، وبالتالي تحصينه ذاتيا ضد الأخبار الزائفة والتضليل الإعلامي الذي يزرع الذعر والخوف في النفوس، ويثير حالة الفوضى التي تبرّر الاستدعاء الطوعي للسلطوية ورموزها. وقد كتبت منظمة مراسلون بلا حدود، في تقريرها عن حالة أوضاع حرية التعبير وحرية الصحافة في العالم على أضواء أزمة فيروس كورونا، "لو كانت الصحافة الصينية حرة، لما كان الفيروس التاجي قد تحول إلى جائحة". وفي هذه الجملة التي وضعتها المنظمة الدولية عنوانا لتقريرها اختزال كبير لما آل إليه الوضع، وما بات يهدد صحتنا وحريتنا من مخاطر. وبدلا من أخذ العبرة مما حدث في الصين، فإن حكومات كثيرة، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، استغلت هذا الظرف، لفرض رقابتها على حريات الناس، وتشديد قبضتها على وسائل الإعلام، وتضييق الخناق على مصادر المعلومات، مخيّرة الناس ما بين حريتهم وصحتهم، وهو خيارٌ بلا معنى، لأن الصحة حق، وليست منّة من أيّ أحد، والحرية شرط من شروط الوجود البشري على هذه الأرض.