الخوف من الحب

21 يونيو 2019
الصورة
نذير نبعة/ سورية

تذكر كتب التأريخ الأدبي أن محمد حسين هيكل لم يضع اسمه على غلاف الطبعة الأولى من رواية "زينب" عام 1914، بل وضع "مصري فلاح". ويقول يحيى حقّي إن السبب هو أنه كان يتحدّث فيها عن الحب، وهو الذي يُعاب عليه، إذ لا يجوز الجهر بما ينبغي كتمانه. ولم يسمّها رواية لأنه كان يقدّم عملاً أكثر جدية وأصالة من روايات التسلية والترفيه السائدة في عصره. فهل يكفي أن يكون الروائي قد اقترب من سيرة الحب في روايته كي يعترض عليها "ممثّلو" المجتمع، ويجبروه على الامتناع عن ذكر اسمه، ولا يعترف بها إلّا بعد مرور خمسة عشر عاماً؟

ويردّد المدافعون عن هيكل أنه "قد تعرّض للواقع الحاضر مباشرةً، وأنه جاوز منطقة الأمان، وخاض في ما كان يحسن السكوت عنه، وظهر الأمر وكأنما كان يخشى من الاستجابة السلبية لعمله"، وهي الذريعة ذاتها التي اقترب من ذكرها يحيى حقّي. بينما لم يكن هيكل نفسه قد ذكر مثل هذه الأسباب في المقالة التي كتبها عن أسباب فتور القصص في المجتمعات العربية، فقال إن ذيوع الأمية وانتشار عدم التعليم تحول بين الجمهور وقراءة الروايات، ثم يذكر عدم مساهمة الأغنياء في تشجيع الأدباء، وهي صفة طبيعية في طبقة اجتماعية آفلة كالإقطاع، في حين لم تكن قد ظهرت الطبقة الوسطى لقيادة المجتمع.

أمّا السبب الأكثر أهمية في فتور القصص فهو يعزوه إلى عدم مشاركة السيّدات في قراءة الروايات على غرار ما كان يحدث في المجتمع الأوروبي، وهذا أمر له علاقة بجمهور القرّاء، حيث كانت السيّدات يعاضدن الأدباء ويشجعنهم. ويقول أيضاً إن أثر السيّدات في القراءة قد حفّز الأدب في الغرب إلى نهضة كبرى.

غير أن أن هيكل كان يعوّل على مسألة الإلهام أكثر مما يعوّل على المشاركة المادية المباشرة في القراءة، والمعروف أن النساء كان لهن دور في تشجيع نشر الروايات في الغرب كقارئات، وخاصة تلك التي كانت تُنشر مسلسلةً في الصحف.

ما فات عدداً من مؤرخّي الرواية العربية أن المرأة العربية كانت قد شاركت في تأليف الروايات أيضاً، ولم تكن مسألة هذا الفن، أو نوع الموضوعات الجديدة التي تقاربها هذه الروايات، تشكّل عائقاً أمامها، أو تسبّب لها أي خوف من رفض المجتمع، وقد عُرفت من النساء زينب فواز التي كتبت رواية "حسن العواقب" عام 1898، أي قبل رواية محمد حسين هيكل بخمسة عشر عاماً، ولبيبة هاشم التي أصدرت روايتها "قلب الرجل" في عام 1904، وذكرت أن ريع الرواية سوف يذهب إلى إحدى الجمعيات النسائية لدعم تعليم الفتيات الفقيرات، بعد أن جاهرت في المقدّمة تقول: "بسم الله وبحمده وبعد. فهذه رواية غرامية القصص، أدبية المغزى". ولم تكتب هذا التقديم في سياق الاعتذار عن الكتابة، أي لأنها تتحدّث فيها عن الحب، بل لأنها أرادت أن تعرّف بالرواية.

تعليق: