الخوف من الإفصاح عن الإصابة والفحص ظاهرة مقلقة

14 مايو 2020
حملات مكثفة على وسائل التواصل الاجتماعي من التشويه والانتقاد والتنمر الذي يطاول كل من أصيب بهذا الفيروس، وفي غياب التسلح بالمعلومة الطبية الصحيحة جعلت الناس يقفون حائرين، مشوشين، مرتبكين وخائفين من إجراء الفحص، حتى وإن كانت كل علامات المرض تظهر على أي شخص. فالخوف من الفحص والإفصاح عن المرض أصبح ظاهرة مقلقة بل خطيرة في مكافحته.

وقد أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي، حالة السخط حيال بعض المصابين بفيروس كورونا في الأردن، وسط دعوات بتشديد العقوبات بحقهم، بالرغم من التحذيرات الرسمية من كشف البيانات الشخصية لهؤلاء المصابين ونشر الشائعات حولهم، إلا أنه ما إن يتم الإعلان عن الإصابات، سرعان ما يتم تداول كل البيانات الشخصية وصور المصاب وصور المخالطين له وتنتشر مثل النار بالهشيم على مواقع التواصل، وتجاوزت حدود السخرية والتنكيت إلى فبركة الأخبار بشأنهم.


ولعل أشهر شخصية على الإطلاق من بين جميع المصابين هو "عريس إربد"، الذي كان وما يزال ومنذ بداية أزمة كورونا الأردن، مركزاً للسخرية والتندر. والذي لم يسمع بعريس إربد بعد، فإن حفل زفافه الذي حضره 400 شخص كان متهماً بأنه سبب انتشار فيروس كورونا في الأردن، حيث تسبب والد العروس الذي قدم من إسبانيا وكان مصاباً بالفيروس، بانتشار العدوى لأكثر من 62 شخصا مما أدى إلى إغلاق محافظة بأكملها كإجراء حكومي احترازي.

وحين تتوجه الأنظار يومياً إلى معرفة من هم المصابون بالفيروس، تبدأ حالة من حملات التشهير التي تشن ضد المريض أو حتى أفراد عائلته وأقاربه، ويغرق المصاب في حالة نفسية يصعب أن يتخطاها. وفي مقابلات أجريت مع مرضى تعافوا في الأردن وبلاد عربية أخرى وفي تقرير صوتي للزميلة هبة عبيدات سلطت فيه الضوء على كيفية التعامل مع المريض بطريقة إنسانية، وأظهرت الحالة النفسية الصعبة التي عاشوها من جراء حملة التنمر غير المسبوقة هم وعائلاتهم الصغيرة والكبيرة. فانتشار المرض ليس عيباً ولا نريد أن نختفي وراءه باللوم المبالغ فيه (كما تحدث أحدهم في مقابلة صوتية)، وبالمقابل تقع مسؤولية كبيرة على كل شخص يخفي مرضه أو يخالط أناساً وهو في فترة الحجر الصحي بل هو مسؤول وبشكل مباشر عن التسبب المقصود بمرض أو موت من خالطهم ونقل العدوى لهم.

ومع يقيننا بأن الحاجة تزداد وقت الأحداث الكبرى والأزمات إلى اللجوء أكثر وأكثر إلى وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها تعطي الناس الحاجة إلى المعلومة والحاجة إلى التضامن، حيث إن شعور الأزمة "جماعية" وأنك "لست وحدك" يخفف من وطأتها في النفوس، إلا أن إساءة استخدامها تسببت بأذى نفسي للمصابين وعائلاتهم.

وحقيقة الأمر، لم يعد هناك نحن وهم، لم نعد منفصلين أو منشقين فجميعنا في مركب واحد مصممون على أن نخرج من هذه الجائحة بسلام. فقانون الجرائم الإلكترونية لن يردعنا إلا إذا راعينا ضميرنا في ما نكتب، وأن نفكر في أبعاد ما يمكن أن يؤدي إليه ما نكتبه، وأن نبتعد عَنِ النِّزَاعِ وَالْجِدَالِ، فهذا يؤدي إلى ارتفاع مقام الإنسان، وأن نتجنب اللّعن والطّعن وما يتكدّر به الإنسان.

إن ما يحدث في العالم في مواجهة كورونا جعلنا نعيد تعريف المواطنة العالمية، وأننا اخوة في الهم الإنساني المشترك.