الخليج مهدد بغلق صنابير النفط... سيناريو كارثي للسعودية والإمارات

21 ابريل 2020
الصورة
امتلاء الخزانات حول العالم في ظل ركود الأسواق (Getty)
+ الخط -
لم يكن أحد يتخيل أن يأتي يوم يدفع فيه بائعو النفط إلى المشترين من أجل التخلص من المخزون، لكن هذا أصبح واقعاً في ظل انهيار الأسعار وتخمة المعروض، بعد امتلاء الخزانات الأرضية، وانتشار الصهاريج الهائمة في مياه البحار والمحيطات في مناطق متفرقة من العالم.

صدمة كبيرة شهدها سوق النفط في الولايات المتحدة، أمس الاثنين، بعد أن تحولت أسعار العقود الآجلة للنفط الخام الأميركي، إلى سلبية للمرة الأولى في التاريخ، لتنهي التعاملات عند ناقص 37.63 دولاراً للبرميل، مع إقبال المتعاملين على البيع بكثافة بسبب امتلاء سريع لمنشآت التخزين.

وتراجعت أيضاً عقود خام القياس العالمي مزيج برنت، لكنها لم تصل إلى تلك المستويات لتغلق عند 25 دولاراً للبرميل، لكنها سرعان ما هوى خلال تعاملات متقلبة، اليوم الثلاثاء، إلى ما دون العشرين دولاراً، ليبلغ أدنى مستوياته منذ 18 عاماً، خاسراً 20% من قيمته في بضع ساعات.

وأضحت الدول المنتجة للنفط، لاسيما في الخليج العربي، مقبلة على سيناريو كارثي، فامتلاء الخزانات ليس مقتصراً على الولايات المتحدة وإنما يظهر مسح لـ"العربي الجديد" وفق تقارير دولية وبيانات تتبع حركة النفط، أنّ الخزانات التي استعانت بها الدول، لاسيما السعودية والإمارات باتت ممتلئة عن آخرها، ما يضع هذه البلدان في مأزق خطير، خاصة أنه ليس من السهولة تصريف المخزون أو غلق صنابير الإنتاج.

في مطلع إبريل/نيسان الجاري، كشفت شركة "تانك بنك إنترناشونال" العالمية المتخصصة في اللوجستيات عن أن صهاريج التخزين في الفجيرة، وهي إمارة تعد مركزاً رئيسياً للنفط وتزويد السفن بالوقود في المنطقة، بلغت طاقتها الكاملة للخام والمنتجات النفطية.

وتقع الفجيرة على الساحل الشرقي للإمارات عند مدخل مضيق هرمز، وتعد أحد ميناءين رئيسيين في المنطقة، وهي نقطة مزدحمة لإعادة التزود بالوقود لناقلات تنقل الخام لمسافات طويلة من الخليج.

ولدى شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك" منشآت تخزين وتحميل في الفجيرة، وتشيّد منشأة جديدة لتخزين النفط أسفل جبال المنطقة من المقرر أن يكتمل بناؤها هذا العام، وفق تقرير لوكالة "رويترز"، في وقت سابق من هذا الشهر.

وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، بلغ مخزون النفط في الفجيرة نحو 20.7 مليون برميل، وفق بيانات صادرة عن منطقة الفجيرة للصناعة البترولية.

كما اتبعت السعودية سياسة ملء الخزانات في دول مجاورة، واستئجار الناقلات العملاقة، وفق تقارير دولية.

في نهاية الشهر الماضي، ذكرت وكالة "بلومبيرغ" الأميركية، أن السعودية أرسلت كميات كبيرة من النفط الخام لتخزينها في المستودعات بمصر، استعداداً لبدء زيادة الصادرات إلى أوروبا.

وبحسب بيانات "بلومبيرغ"، فإن السعودية أرسلت إلى مصر حوالي 1.3 مليون برميل يومياً منذ بداية مارس/ آذار، وهو أعلى معدل لصادرات النفط السعودي إلى مصر خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

وتصدر السعودية نفطها الخام من موانئها إلى ميناء العين السخنة على ساحل البحر الأحمر (شرق مصر)، حيث يتم نقل الخام عبر خط أنابيب داخل الأراضي المصرية إلى ميناء سيدي كرير على ساحل البحر المتوسط (شمال) لإعادة تصديره إلى أوروبا.

وخزانات سيدي كرير تشغل واحدا من ثلاثة مواقع تخزين رئيسية للسعودية خارج أراضيها، حيث يقع الآخران في روتردام غربي هولندا، وأوكيناوا في اليابان.

وكانت السعودية تعتزم زيادة إجمالي صادراتها، اعتباراً من مايو/ أيار المقبل، إلى 10.6 ملايين برميل يومياً مع زيادة الفائض المتاح للتصدير لديها نتيجة تراجع الاستهلاك المحلي، بسبب إجراءات منع انتشار فيروس كورونا الجديد، وفقاً لبيان وزارة الطاقة السعودية، نهاية مارس/ آذار.

لكن اتفاق خفض الإنتاج بنحو 10 ملايين برميل يومياً بين دول منظمة "أوبك" وروسيا والمنتجين الآخرين من خارج المنظمة "أوبك +"، والذي جاء، في وقت سابق من إبريل/نيسان الجاري بضغط أميركي، جمد خطط السعودية لزيادة الصادرات.

ووفقاً لبيانات "بلومبيرغ"، فإن صادرات السعودية من الخام، خلال الأشهر الأخيرة، كانت تدور حول 7 ملايين برميل يومياً.

وتشير هذه البيانات، وفق محللين في قطاع الطاقة، إلى أن الخزانات تلقت كميات ضخمة، خلال الأسابيع الماضية، من الخام السعودي، بينما تستمر الآبار في ضخ الإنتاج، ما يدفع نحو تخمة في المخزون تؤدي إلى تعرض سعر برنت في العقود الآجلة إلى صدمة شبيهة بما تعرض لها الخام الأميركي، أمس الاثنين.

واستهدفت السعودية إزاحة روسيا من السوق الأوروبية، لتعزز موقعها في سوق الطاقة العالمية التي تعتمد فيها على الصين أيضاً.

لكن هذه الخطط ربما تتعرض لفشل ذريع، حيث تظهر الصفقات توجه الشركات الصينية إلى الاستيراد من الولايات المتحدة ودول خليجية ليس بينها السعودية.

كما أن بإمكان روسيا التصدير إلى أوروبا بكلف أقل لاسيما أنها تعتمد على وجود أنابيب ممتدة وليس ناقلات وصهاريج عائمة للتخزين تدفع عليها مقابلا ماليا مثلما تفعل السعودية.

ووفق تقرير لوكالة "رويترز"، اليوم الثلاثاء، فإن شركة "رونغ شنغ" الصينية، اشترت نحو ثلاثة ملايين برميل تحميل، يونيو/ حزيران، من خامات الشرق الأوسط ونحو مليون برميل من خام ألاسكا نورث سلوب الأميركي من خلال عطاء فوري تمت ترسيته، يوم الجمعة الماضي.

وبحسب بيانات "بلومبيرغ"، فإن صادرات السعودية من الخام، خلال الأشهر الأخيرة، كانت الصين هي وجهتها الرئيسية، مع احتمال تغير الوضع خلال الشهر الحالي؛ بسبب زيادة صادرات النفط السعودي إلى مصر، وتراجع الصادرات إلى الصين.

وفي 23 مارس/ آذار الماضي، نقلت وكالة "رويترز" عن مصادر في قطاع الشحن قولها، إن السعودية حجزت عدداً كبيراً من الناقلات العملاقة يصل إلى 25، واستأجرت بشكل مبدئي 15 سفينة أخرى لإرسال النفط إلى عملاء جدد وقدامى، بهدف إزاحة روسيا.

ويمكن لهذه السفن أن تحمل معاً 80 مليون برميل من النفط، ما يدعو إلى طرح علامات استفهام كبيرة حول إذا ما كانت هذه الكميات قد خرجت نحو أهدافها، أم توقفت على سفوح المياه في ظل صدمة المعروض العالمي، واكتفاء مكامن التخزين.

وأدى انهيار الطلب على منتجات النفط بسبب تداعيات فيروس كورونا، إلى خفض الطاقات التشغيلية لمصافي التكرير في العالم.

ووفق تقرير لـ"غولدمان ساكس" الأميركي، صدر مطلع الشهر الجاري، فإن المرحلة الحالية التي تمر بها صناعة النفط العالمية "ستكون بمثابة عامل التغيير لقواعد اللعبة في الصناعة".

وبحسب تقديرات "غولدمان ساكس"، يتم ضخ حوالي 20 مليون برميل يومياً إلى مستودعات التخزين، في حين تتوقع مؤسسة "آي.إتش.إس ماركت" للاستشارات الاقتصادية امتلاء كافة مستودعات التخزين في العالم في غضون 9 أسابيع من الآن.

وقال بن لوكوك الرئيس المشارك لمجموعة "ترافيغورا غروب" النفطية، وفق وكالة الأنباء الألمانية، مطلع هذا الشهر، إن تراجع الطلب العالمي الحالي على النفط "غير مسبوق"، معتبراً أن صدمة بهذا الحجم، ستتجاوز أي محاولة للسيطرة على العرض، بما في ذلك أي قرار من جانب منظمة "أوبك" بخفض الإنتاج كما كانت تفعل المنظمة في مثل هذه الظروف.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مؤتمر صحافي، مساء أمس، إنّ بلده سيدرس وقف شحنات النفط القادمة من السعودية.

وتضغط هذه التطورات بقسوة على شركات الطاقة السعودية، حيث تواصل أسهمها التراجع في أسواق المال، لينزل سهم عملاق النفط "أرامكو" إلى نحو 29.4 ريالاً (7.84 دولارات) في نهاية تعاملات، اليوم، ليبعد أكثر عن مستوى إدراجه بالسوق في 11 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، والذي تحدد بـ32 ريالاً.

وكان سعر السهم قد وصل إلى مستويات مرتفعة عند 38 ريالاً، في 16 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، لكنه سرعان ما عاد إلى الهبوط تدريجياً؛ بفعل تهاوي أسعارالنفط وابتعاد المستثمرين عنه.

كما قالت مصادر مطلعة، وفق وكالة "بلومبيرغ"، إن "أرامكو" تدرس بيع حصة من شركة أنابيب النفط التابعة لها لتوفير سيولة نقدية، في ظل تراجع أسعار الخام في الأسواق العالمية.

وأدى انهيار الأسعار إلى إلغاء خطط الإنفاق الاستثماري لـ"أرامكو"، حيث تقرر إعادة النظر في خطط الإنفاق الرأسمالي التي تتراوح بين 25 مليار دولار  و30 مليار دولار، خلال العام المقبل وما بعده. وكانت الشركة تستهدف قبل ذلك إنفاق ما بين 35 و40 مليار دولار، خلال الفترة ذاتها.

وأشارت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، أمس الاثنين، إلى وجود صعوبات بالغة إيقاف صنابير النفط في ظل تخمة المعروض وانهيار الأسعار، مشيرة إلى أن غلق الآبار يتطلب كلفة باهظة في إعادة التشغيل، كما أنّ الحقول لا تستعيد دائماً إنتاجها السابق.

ولفتت إلى أن بعض الشركات تستمر في الضخ، حتى لو كانت تخسر أموالاً، من أجل دفع فائدة على ديونها والبقاء على قيد الحياة.

لكن تتزايد المخاوف من اتساع تداعيات انهيار الأسواق، فقد ذكر الموقع الإلكتروني لإذاعة صوت ألمانيا "دويتشه فيله"، في الثاني من إبريل/ نيسان، أن انهيار الأسعار يمكن أن يتسبب في إفلاس بعض الشركات المنتجة للنفط، ويعصف باستقرار حكومات العديد من دول "أوبك".

وفي مارس/ آذار الماضي، حذر صندوق النقد الدولي من اندثار ثروات السعودية في عام 2035، إذا لم تتخذ "إصلاحات جذرية في سياساتها المالية" التي ترتكز بشكل أساسي على عائدات النفط مثل باقي دول الخليج، التي توقع أن تندثر أيضاً ثرواتها في سنوات متفاوتة، لتكون البحرين الأقرب إلى هذا السيناريو عام 2024.

وتعمل الأسعار الرخيصة على جر الموارد المالية للبلدان المنتجة للنفط إلى الانهيار، حيث كشف تقرير لوكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني العالمي، في وقت سابق من هذا الشهر، عن أن السعودية بحاجة إلى سعر 91 دولاراً للبرميل، لتحقيق نقطة تعادل في موازنتها.