الخطاب الديني بين جدلية التجديد وهيمنة الدولة

31 مايو 2016
الصورة
+ الخط -
عندما أعلن مارتن لوثر مبادئه الخمسة والتسعين التي تتعلق بلاهوت التحرير وسلطة البابا في الحل من العقاب الزمني للخطيئة، ورفضه السلطة التعليمية في الكنيسة، والتي تحصر عملية فهم الكتاب المقدس وتأويله على البابا، وهو ما يعني غلق باب الاجتهاد والتجديد، وحصره في شخص البابا ومؤسسته الدينية، ثم عرفت مدينة فيتنبرغ بمركز الإصلاح البروتستانتي التي حملت على عاتقها عملية الإصلاح التي أطلقها مارتن لوثر. عندما تم ذلك، ساعد لوثر على تحقيق تلك الإصلاحات تعاطي الطبقة الألمانية المتوسطة معها، إلى جانب عمليات إصلاح في المجتمعات الأوروبية بدأت فيما بعد عن طريق التنوير العلمي، من خلال الاقتصاديات الرأسمالية وبناء الدولة الحديثة والاستغلال الاستعماري في العالم. استغرق هذا الإصلاح قروناً، حتى استطاع، في النهاية، الوصول إلى الصيغة الحالية. صحيح أن فيه تناقضات وأزمات كثيرة، إلا إنه حقق نجاحاً على مستويات متعددة. في المقابل، نجد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يريد أن يقوم بعمليات إصلاح في فترة وجيزة، وهو شيء يستحيل من خلال التجربة العملية، ناهيك عن عدم وجود رؤية لتحقيق ذلك.
ويأتي مصطلح تجديد الخطاب الديني واحداً من متطلبات مرحلةٍ فرضها النظام المصري، بسياساته، وفرضتها تغيرات إقليمية ومحلية. ويبدو أن السيسي حمل على عاتقه مهمة تجديد الخطاب الديني، فهو يرى أن الدولة هي المسؤولة عن كل شيء، بما في ذلك الدين، وهو ما كان يعيبه على سلفه، محمد مرسي، بأنه وجماعة الإخوان المسلمين يريدان اختطاف الدين. ويأتي مصطلح تجديد الخطاب في توقيتٍ ترتفع فيه وتيرة الجماعات الإرهابية في المنطقة وفي العالم، إلا أن النظام المصري رفع شعار تجديد الخطاب الديني، من دون استراتيجية واضحة، ويبدو أنه شعار للاستهلاك ليس أكثر، لأن البداية الحقيقية لتجديد الخطاب الديني تحرير الدين من براثن الدولة وسلطتها التي ترى فيه مطية لتحقيق أهدافها السياسية، وكذلك إطلاق الحريات العامة، وفتح المجالات العامة، السياسية والاجتماعية والتعليمية، أمام الجماهير، لإعمال العقل وإيجاد فرصةٍ حقيقيةٍ للتدافع الفكري، إلا أن الدولة تريد أن يتم ذلك تحت مرأىً ومسمع منها، وهو ما يستحيل عمليّاً، فالنظام واقع في متاهةٍ من المتناقضات، ففي وقتٍ يطالب فيه بتجديد الخطاب الديني يقوم هو نفسه بعملية وضع المناهج التعليمية التي لا تخدم إلا أهدافه، وتؤكد سلطته، في طريقةٍ مشابهةٍ لطريقة الكنيسة التي قصرت فهم الكتاب المقدس وتأويله على سلطتها متمثلة في البابا.
ما يغيب عن النظام المصري، عن قصد أو من دونه، أن الاستبداد والإرهاب وجهان لعملة واحدة. وهنا، يتضح فشل تلك المهمة التي يحاول النظام إطلاقها، وجعل القاهرة مركزاً لذلك، ويتضح القصور وعدم النجاح لعدة أسبابٍ، أهمها:

على مستوى المجتمع: بنية المجتمع المصري أصابها تشويه كثير، فمع زيادة الأعباء الاقتصادية وكف يد الدولة عن الرعاية المجتمعية، نتيجة الفساد وعمليات القمع المتتالية، ساعد ذلك في تمدّد الجماعات الدينية التي ملأت الفراغ الذي أحدثته الدولة، فاحتمى المسلم بالمسجد، والقبطي بالكنيسة، ما أكد روح التعصب والتشدّد في كلا الطرفين، وتم تشكيل عقول أجيالٍ كاملةٍ على أساسٍ من الانتماء الديني، وليس الانتماء لقيم وتصورات كبرى، ترتكز على حرية المعتقد والدين والفكر والممارسة الديمقراطية. ولعل الفتنة الطائفية التي ما زالت موجودة في المجتمع المصري هي إحدى صور هذا التشكل العقلي، على أساس الانتماء الديني. وساعد على ذلك، بصورة واضحة، غياب الطبقة المتوسطة التي تآكلت، ولم يعد لها وجود، وهي الطبقة المسؤولة عن عمليات التجديد والتقدم والدفاع عن القيم داخل المجتمعات بصفةٍ مختلفة. ومن هنا، ظهر ما يمكن تسميته التديّن الشعبي، وأصبح الشباب المصري يتجاذبه تياران أساسيان: السلفي والإخوان المسلمون.
ضعف المؤسسات التعليمية والدينية: مع هيمنة الدولة على المؤسسات التعليمية والدينية، والتدخل في رسم شؤونها، بما يخدم مصالحها، تحوّلت تلك المؤسسات إلى أوكارٍ للبيروقراطية والفساد، وأصبحت غير قادرةٍ على التجديد أو تقديم خطاب مجتمعي معاصر، يحاول أن يقدم حلولاً للمشكلات المجتمعية المتتالية، والناتجة عن أسباب مختلفة، وربطها بالمنجز الحضاري المعاصر، بل انكفأت على ذاتها، واستسلمت لسلطة الدولة وجبروتها، واكتفت باجترار المناهج التراثية القديمة، من دون تقديم جهدٍ، ولو بسيط، في عملية تنقيحها، أو مناقشة ما جاء فيها. ومع الوقت، أصبح هذا التراث بمثابة المقدس الذي لا يمكن المساس به، وتحول النص الموازي/ التفسيري إلى نصٍّ مقدس، يلغي حضوره النص الحقيقي.
الإشكالية الحقيقية، هنا، أن هذه المؤسسات خرّجت أجيالاً كاملةَ، تربت على هذه المناهج. وهذا التصور الذي يرى أن المساس بالتراث هو مساس بالمقدّس، وطعن في صحيح الدين. لم يقتصر الأمر على ذلك، فمع ارتباط تلك المؤسسات بسياسة الدولة والدوران في فلكها، انحسر دورها مع انحسار سياسية الدولة، وتراجع موقعها الإقليمي، ولعل الأزهر خير دليل على ذلك، فقد تراجع دوره علي الصعيدين الداخلي والإقليمي، ونلحظ ذلك التراجع والغياب في أفريقيا، مثلاً، فمع غيابه حلت محله الجماعات المتشددة التي تتبنى خطاباً تكفيريّاً متشدّدًا. مع توالي هذه الممارسات داخل تلك المؤسسات، أنتجت عقلاً غير قادر على التفكير أو النقد أو تقديم نموذجٍ يمكن أن يكون نواة عملية إصلاح تتخذ طابعاً تراكميّاً، أصبح الأزهر الذي خرّج محمد عبده والأفغاني وعلي عبد الرازق وغيرهم، الآن، غير قادر على تخريج عقولٍ تقدم رؤية وفكراً نقديّاً، وإنما عقلاً نقليّاً، غير قادر علي تخطّي النصوص القديمة.
بتلك المقولة التي تسمى تجديد الخطاب الديني، تحاول الدولة أن تختطف الدين وتخصصه، ليتحوّل إلى منتج سياسي، ما يعني أن تلك المسألة ما هي إلا للاستهلاك المحلي وتبرير القمع، فلو أراد النظام في مصر حقّاً تجديد الخطاب الديني، لقام بتحرير المؤسسات من سلطته، ومن فرض الرقابة الدينية، وإطلاق عمليات الإبداع الفكرية والثقافية، والتأسيس لمرحلة ثقافية جديدة، وتشجيع الفنون والآداب بأنواعها المختلفة، إلا إنه غير قادر على ذلك، أو بالمعنى الأصح لا يريد فعل ذلك. سينطلق قطار التجديد، عندما تكون هناك حرية فكرية وسياسية، وترسيخ للتجربة الديمقراطية، وبناء نظام ديمقراطي حقيقي، وتخريج أجيال قادرة على التفكير والنقد واستغلال للطاقات الشبابية المهدرة، أو الملقاة في غياهب السجون، بسبب التعبير عن رأيها، أو رفضها قمعاً وظلماً متنامياً، فأجواء الخوف والديكتاتورية المنتشرة وسياسة تكميم الأفواه لن تنشر إلا مزيدًا من التطرّف والتعصّب.