الخروج من المأزق وتجديد النّضال الفلسطيني

25 يونيو 2020
بعد سنوات من جمود وتراجع حضور القضيّة الفلسطينيّة في السّاحات الإقليميّة والدّوليّة، أتت صفقة ترامب - نتنياهو لتضع صراع الفلسطينيّين لاسترجاع حقوقهم أمام حائطٍ مسدود، ما أشاع الحيرة والتّخبط والإحباط في أوساط القيادة والمجتمع. وذلك بعد عقود من المراهنة على خيار المفاوضات وفرضه كطريق وحيد للحل، ما شلّ المقاومة بكافّة أشكالها انتظارًا للحلول من الخارج. مأزقٌ قد يكون فرصةً لإعادة التّفكير والعمل من أجل الخروج منه بروح جديدة، ووضعها على المسار الصّحيح الذي تستحقّه كقضيّة عادلة.

أمام كل الوقائع من توسّع الاستيطان وتكريس وشرعنة الاحتلال، بات واضحًا أن خيار المفاوضات المتمثّل في أوسلو قد انتهى، وليس فقط لأن الخلل في أوسلو نفسها، بل لأن الخيار من الأساس لم يكن صائبًا. لقد فرّط هذا النّهج بالحقوق، وحوّل القضيّة من مشروع تحرير إلى صراع لإقامة دولة على أراضٍ احتلّت عام 67، وتجاهَل ما تم احتلاله قبل ذلك. كما جرّد خيار المفاوضات الطّرف الأضعف والمُعتدى عليه من أدوات مقاومته ووضعه في موقف استجداء المُحتل وشريكته أميركا، وهما الطّرف الأقوى. صراعنا ليس مع دولة جارة عاديّة، بل مع مشروع استيطاني إحلالي كولونيالي مبني على سرديّة دينيّة ملفّقة وعنصريّة، ترفض الآخر وتكرهه وتنكر تاريخه، كما أنّه مرتبط بمشروع استعماري غربي، قام بسطو وقح على أرض وشعب وثقافة وتاريخ. هذا يعني أن "إسرائيل" لا يمكن إلّا أن تكون كيانًا عنصريًّا متطرّفًا ومتغطرسًا. فهل يمكن العيش بسلام مع كيان نرجسي كهذا؟ ماذا كانت تتوهّم قيادة أوسلو؟ وكيف غرقت في هذا الوهم؟ لقد تدهور حال القيادات الفلسطينيّة إلى حد أن أولويّتها صارت الصّراع على سلطة شكليّة دون أرض أو سيادة، وانقسمت لاحقًا إلى سلطتين، وذلك رغم المرحلة الحرجة الّتي نمر بها. أليس هذا انحطاطًا؟

مما لا شك فيه أن النّضال الفلسطيني يمر بنقطة تحوّل جوهري، ومن الضروري أن ننهض به ليرتقي لمستوى التّحدّيات الرّاهنة، وليرتبط ويتفاعل مع التحوّلات التي تحدث في المنطقة والعالم على حدٍّ سواء. طبعًا ذلك يتطلّب ربيعًا حقيقيًّا يقوم بمراجعة شاملة لما تراكم حتى الآن وبإعادة تنظيم الصّراع. لتحقيق ذلك، أعتقد أنه من الضّروري تنظيم المجتمع الفلسطيني في الدّاخل والشّتات، في إطار ديمقراطي أفقي، مستلهَمٍ من تجاربنا وتجارب أخرى، ومن التّطوّرات التّكنولوجيّة التي تنعكس اجتماعيًّا، خصوصًا على جيل الشّباب، الذي ينبغي أن يكون صاحب الدّور الأساسي في كل هذه العمليّة. قد يكون ذلك في إطار منظّمة التّحرير الفلسطينيّة للبناء على إرثها النّضالي والرّمزي وإنجازاتها السّياسيّة، وإذا تعذّر ذلك فلا بدّ من بديل. تأتي ضرورة هذا التّأطير من أهميّة استعادة وحدة ومشاركة كل الفلسطينيّين والفلسطينيّات أينما كانوا، لحشد وتنظيم نضالهم. بالإضافة لبناء استراتيجيّة ثوريّة جديدة تخضع للتّقييم الدّوري - وربّما ميثاق فلسطيني جديد - تتضمّن مراجعة وتفعيل كل أدوات المقاومة، وإنتاج خطاب تقدّمي وتقاطعي وعقلاني يعبّر عن حقيقة وعدالة القضيّة.

وبالتّقاطعي أعني أنّه لا بدّ من إنهاء حالة العزلة التي كرّستها قيادة أوسلو، وإنهاء فصل الملفّات وتفكيك الشّعب، لاستعادة الرّوابط الطبيعيّة بين نضال الفلسطينيّين والشّعوب التي تنتفض على الأنظمة المستبدّة، إذ من غير الموضوعي فصل القضيّة الفلسطينيّة عن النّضال من أجل عالم مستدام وعادل لجميع البشر؛ كما من غير الموضوعي فصلها عن قضايا الشّعوب الأخرى، خصوصًا في المنطقة، وذلك لأن تكوين وطبيعة "إسرائيل" يجعلانها خصمًا للتّقدّم والدّيمقراطيّة، ومن مصلحتها إضعافها وتقسيمها طائفيًّا وجهويًّا لتهيمن عليها وتتمدّد فيها، ولتبرّر وتشرعن وجودها كدولة يهوديّة. لذلك، أعتبر أن قضيّة فلسطين هي بوصلة سياسيّة ملهمة للحراك العربي، وعامل وحدة ضروري لشعوب المنطقة. لا يمكن تحرير فلسطين دون تحرير عمقها الاستراتيجي، كما لا يمكن تحرير المنطقة وتحقيق التّقدم فيها دون هزيمة المشروع الصّهيوني.

في ظل الانهيار الشّامل للقضيّة الفلسطينيّة والتّفريط بالحقوق المشروعة للشّعب الواقع تحت الاحتلال منذ عقود، وضياع كل هذه السّنين في مفاوضات عقيمة، وقمع روح المقاومة فينا، حان وقت العودة إلى جذور المشكلة، والنّضال من أجل تحرير كل فلسطين والمنطقة من المشروع الصّهيوني. فالمنطقة تقف على مفترق طرق حرج، وهي مشرفة على موجة ثوريّة جديدة، ولن تهدأ قبل تحقيق مطالب الشّعوب المحقّة بالحريّة والتّقدّم والعدالة الاجتماعيّة.