الخردة الإلكترونية... تسونامي من الدول المتقدمة يغرق الدول الفقيرة

الخردة الإلكترونية... تسونامي من الدول المتقدمة يغرق الدول الفقيرة

02 فبراير 2019
الصورة
حرق نفايات إلكترونية في غانا (كريستينا ألديهويلا/ فرانس برس)
+ الخط -

الخردة أو النفايات الإلكترونية تشحن من الدول المتقدمة إلى تلك الفقيرة. ليس الخبر جديداً. إلا أن الأمم المتحدة حذرت أخيراً من خطورة الأمر على الصحة والبيئة في العالم، محذرة من احتمال وصول نسبة التصدير إلى رقم خطر.

سابقاً، كان يقال إنّ "الغرب لا يصدّر سوى الخردة للدول النامية، لمنعها من منافسة شركاته العملاقة". وفي زمن توحّش الرأسمالية العالمية، خصوصاً في القارتين الأميركية والأوروبية، وبتعاون قوى محلية في الدول الفقيرة، تبرز إشكالية جديدة تضاف إلى مشكلة مستمرة بالتصاعد منذ تسعينيات القرن الماضي، من خلال تصدير سيارات أقرب إلى الخردة، وإغراق أسواق مجتمعات الدول الفقيرة بالخردة الإلكترونية بعد الانتهاء من استهلاكها في دول الشمال المتقدمة، ليعاد تدويرها وتفكيكها بطريقة مسيئة للصحة والبيئة.

وأعلنت الأمم المتحدة في تقرير أعدته بالتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي، في يناير/ كانون الثاني الماضي، عن مخاطر ناتجة عن استمرار الدول المتقدمة في تصدير مخلّفاتها التقنية والإلكترونية إلى الدول الفقيرة. في التقرير، تعيد المنظمة الدولية التركيز على ظاهرة يطلق عليها بعضهم "تسونامي الخردة الإلكترونية"، معلنة الحرب عليها، للوصول إلى وضع حدّ لتدفق ملايين الأطنان من النفايات الإلكترونية من الدول المتقدمة إلى تلك الفقيرة، بهدف التخلص منها.

ووفقاً للمنظمة الدولية، فإنّ عام 2018 شهد نمواً متسارعاً في شحن تلك النفايات الإلكترونية بواقع نحو 48 مليون طنّ، صُدّرت إلى مجتمعات فقيرة بطريقة غير سليمة. يضيف التقرير أن 20 في المائة فقط من هذه الكمية جرى تمريرها رسمياً، في وقت هرّبت القمامة وعولجت بوسائل غير سليمة ومؤذية لتلك المجتمعات. وتصنيف الأمم المتحدة للخردة يشمل البطاريات وعلب الكهرباء وصولاً إلى الهواتف وكل الأجهزة الإلكترونية والكهربائية. وترى الأمم المتحدة، بمختلف منظّماتها المعنية، أنه في حال عدم العمل على محاربة هذه الظاهرة، سيشهد عام 2050 تدفق 120 مليون طن من القمامة/ الخردة الإلكترونية إلى الدول الفقيرة.




وتُظهر القيمة المادية لهذه التجارة أسباب الإصرار عليها. وتقدّر منظمات دولية تابعة للأمم المتحدة أنها تصل إلى أكثر من 62 مليار دولار. والمبلغ يعدّ أكبر بثلاث مرات من حجم إنتاج مناجم الفضة السنوي حول العالم، ويفوق الناتج المحلي السنوي لعدد من الدول. الهواتف النقالة تفكك وتحرق المخلفات، ما يؤدي إلى تلوث البيئة، عدا عن التأثير الكبير على صحة الإنسان. وإذا ما استمر الأمر على ما هو عليه، وفقا للتقرير، فإن انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون من مخلفات الخردة الإلكترونية خلال العشرين سنة المقبلة، ستشكل نحو 14 في المائة من مجموع الانبعاثات العالمية.

واللافت، بحسب التقرير، أن نصيب الفرد الأوروبي من الخردة سنوياً يصل في المتوسط إلى 17.7 كيلوغراماً. وفي دول كالنرويج، يصل نصيب الفرد فيها إلى 26.3 كيلوغراماً، وسويسرا إلى نحو 26 كيلوغراماً، والدنمارك إلى نحو 24 كيلوغراماً. إضافة إلى أوروبا، تتحمل أستراليا وأميركا الشمالية واليابان وجنوب أفريقيا مسؤولية تحويل الخردة إلى دول نامية.

تلك المخلفات التي يتخلص منها الأوروبيون والأميركيون تنطلق من الموانئ الرسمية بكميات هائلة تحت أعين السلطات. وخلال عامي 2015 و2016، سجل التقرير تصدير 60 ألف طن من الخردة إلى نيجيريا وحدها، بحسب تقرير صادر عن "جامعة الأمم المتحدة". كما أن لدول أخرى في شرق أوروبا، إضافة إلى مصر والسنغال وساحل العاج وغانا والصين وفيتنام والبرازيل وغيرها، نصيبها من مسارات تصدير وتهريب للخردة.

واحتلّت نيجيريا مرتبة متقدمة لناحية استقبال السيارات المستعملة والخردة، علماً أن كثيرين من عرب أوروبا يتاجرون بها. يشار إلى أن بعض الدول العربية باتت أكثر تشدداً في ما يتعلق بنوعية السيارات التي يمكن استقبالها. ويعمد بعضهم إلى تصدير خردة الثلاجات والمبردات وشاشات إلكترونية نحو دول أفريقية، إضافة إلى استمرار تصدير السيارات. وعادة ما تجمع شركات متخصصة مخلفات المستهلكين من المتاجر والمؤسسات في شمال أوروبا، قبل شحنها إلى أماكن أخرى.

من بين أكثر الموانئ التي تنشط فيها هذه التجارة ميناء هامبورغ، إضافة إلى موانئ اسكندنافية وهولندية أخرى، خصوصاً نحو غرب أفريقيا. في هذا السياق، شددت الدنمارك في 2017 رقابتها على أماكن تجميع الخردة الإلكترونية وتصديرها إلى خارج البلاد. وبدأت محاكمها تلاحق من يتولى تجميعها بشكل غير قانوني بهدف تصديرها. وعلى الرغم من نيّة الاتحاد الأوروبي التخلص من النفايات الإلكترونية، ومنحه تراخيص التصدير بعد التقييم، يبقى تصدير المخلفات مستمراً بوسائل غير قانونية في عدد من الدول، كتصديرها إلى دول أوروبية أخرى (شرقية وفقيرة). كما أن تهرّب التجار والمصدرين من قوانين الدول وضرائبها بسبب القيمة المادية الناتجة عن الخردة، يجعل هذا السوق كبيراً ومربحاً.

وبالعودة إلى نيجيريا، فإن إغراق البلاد منذ عقود بأطنان من الخردة، دفع صندوق البيئة العالمي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة للاتفاق مع الحكومة لإعادة تدوير الخردة بشكل نظامي بقيمة لا تتعدى 1.8 مليون دولار، وهي قيمة لا توازي آلاف الأطنان المستوردة.



كذلك، يشير التقرير الأممي إلى أن الصين تعيد تدوير ما استهلك في أوروبا. في هذا البلد، يعمل نحو 800 ألف شخص في تفكيك الخردة الإلكترونية. ويرى البروفسور في الجامعة التقنية الدنماركية، توماس أستروب، أن التأثير الصحي للتعامل مع الخردة ليس بسيطاً، وقد يؤدي إلى الإصابة بالسرطان، عدا عن التأثير على البيئة والمياه الجوفية إذا لم تكن محميّة أو منظمة. وتقترح الأمم المتحدة حلولاً للتغلّب على التحديات المستقبلية لظاهرة النفايات الإلكتروينة، كـ "الاقتصاد الدائري" للحد من النفايات والهدر وتحسين كفاءة الموارد واستخدامها بأساليب فعالة، إضافة إلى التفكير في منتجات قابلة لإعادة الاستخدام، أو إرجاعها إلى المنتج بهدف التخلص منها بطريقة آمنة، أو إعادة تدويرها في إطار الشراكة مع الحكومات.