الخبز الشمسي: قربان الفراعنة

05 يناير 2016
الصورة
نضج "الخبز الشمسي" تحت أشعّة الشمس (Getty)
لأهل الصعيد الجواني في مصر أنواع من الخبز، لا يعرفها أحدٌ غيرهم، من بينها ذلك النوع الغريب من الخبز الذي يطلقون عليه "الملتوت" و"العيش الشمسي"، إذ يتمّ تعريض العجين إلى حرارة الشمس في فترة تخميره، قبل أن يوضع داخل الفرن الطيني الملحق بكل بيتٍ صعيدي تقليدي.

يعود "العيش الشمسي" لعصور الفراعنة، ولا تزال المرأة الصعيدية تقوم بطقس قديم لا إرادياً أثناء صناعته، متمثّل في رسم دائرة على قرص العجين المختمر، وفي وسطها تنقش الخبّازة خطين يشبهان رقم "11"، وهي لا تدري أن هذا الرسم يشير إلى قرص الشمس الذي يرمز للإله الفرعوني "رع". وتحكي الأساطير القديمة أن هذا الخبز كان بمثابة قربان يقدمه المصريون للآلهة.

جميع الأسر الصعيدية، في المحافظات الجنوبية، تخبز "العيش الشمسي" الذي يصنع من دقيق القمح، ويحتاج لمجموعة من الخطوات، كما يحتاج أيضاً لأكثر من امرأة يقمْن بتوزيع الأدوار المتزامنة في ما بينهنّ، حيث نجد من تعجن، ومن تناول، ومن تدْخِل الخبز داخل الفرن وتخرجه، ومن تقوم بفرده وترتيبه. وهكذا يكون يوم الخبيز في الصعيد والريف المصري عامة، حدثاً احتفالياً تتجمّع فيه النساء، ويفرح فيه الأطفال، كما تعتاد الأسرة، إهداء الجيران بعضاً من "العيش الشمسي".

تجهّز عجينة الخميرة في يوم سابق لعملية العجن، بعد ذلك تضاف العجينة إلى الدقيق المخلوط بالماء الدافئ والملح. عملية العجن تستغرق فترة تتراوح من ساعة إلى ساعتين وفقاً لكمية العجين، ولا تنتهي إلا عندما تصبح العجينة سائلة، حيث توضع في إناء كبير يتم إغلاقه بإحكام ليوم كامل.

إقرأ أيضاً:أوراق اللعب التي أدت إلى اختراع الساندويتش

في اليوم التالي؛ تكون العجينة جاهزة للمرحلة الثانية، وهي عملية تقطيع الخبز على هيئة أقراص في أطباق مفروشة بالردة، ثم تقوم الخبازة باختبار مدى تخمير الخبز عبر تجريحه، لتقوم بعدها بفرده باليد بواسطة قطعة من القماش.

مرحلة التشميس، هي أهم المراحل المميزة لهذا النوع من الخبز، إذ توضع العجينة في مكان مكشوف لتستقبله شمس الظهيرة الحارة، وهي من مميزات بلاد الجنوب، ويتم تقليب الرغيف على وجهيه لينال الحرارة الطبيعية التي تدفعه نحو مرحلة مهمة من النضج، وهي أن يكون سطح العجين جافاً. وهنا يأتي دور تشقيق الرغيف بالسكين بصورة دائرية، قبل أن يتم نقله لتسويته في مرحلته الأخيرة داخل الفرن الطيني، الذي يحتاج إلى جهد سابق في إشعاله و"تحميته"، ليكون جاهزاً لأداء دوره.

وبالطبع، فإن الحداثة أثرت سلباً على انتشار الخبز الشمسي، فانتشار خبز الأفران الحكومية، مع الإيقاع السريع للحياة لم يعد يناسب المرأة الصعيدية كما كان منذ عقود قليلة سابقة. لكن ذلك لم يقض تماماً على الخبز الشمسي، بل لا تزال هناك خبّازات ماهرات يُستعان بهنّ بين الحين والآخر.

إقرأ أيضاً:حكاية حلوى "أم علي"

دلالات