الخبر السوري: رحلة الاختفاء من العناوين الأولى

الخبر السوري: رحلة الاختفاء من العناوين الأولى

27 مارس 2015
الصورة
(Getty)
+ الخط -
مع انطلاق الثورة السورية تصدّر الخبر السوري كل شاشات العالم العربي وشاشات العالم. تغطيات ومتابعات دقيقة وآنية وتحليلات إستراتيجية، ومقابلات مع ناشطين. ومع تحوّل التظاهرات إلى مواجهات ثم إلى معارك، بدأ الاصطفاف الإعلامي يزداد. بدأت تختفي صورة "الثورة السلمية المدنية" لمصلحة "المعارك بين النظام والكتائب الإسلامية المقاتلة". وفي العام الرابع للثورة السورية اختفى الخبر السوري تقريباً. وحدها "داعش" تحتلّ هامشاً واسعاً من التغطية الإخبارية.

حتى أنّ حدثاً بحجم استعمال نظام الأسد للكلور في قصف سرمين، لم يحظَ بالتغطية اللازمة في الفضائيات العالمية والعربية، ولا حتى في الصحف والمواقع.

بهذه البساطة تحوّل موت السوريين إلى خبر يومي، خبر عادي. كما هي الحال في العراق وليبيا وحالياً اليمن... الموتى أعداد فقط. وكلما تقدّم الوقت أصبحت هذه الأعداد ثانوية في المشهد العام.

لماذا اختفت التغطية السورية عن الإعلام؟ ما الذي حلّ مكانها؟ وما الذي يتحكّم بتغطية الفضائيات الخبر السوري؟ هل هي السياسة وحدها، أم رأس المال، أم الجوانب والعوامل الطائفية؟

في ما يلي استعراض تغطية بعض القنوات الفضائية، التي كان لها دور كبير في نقل هذا الصراع، وأحياناً كثيرة في نقله من مرحلة إلى مرحلة أو في اختزاله بصراع "بين السنّة والعلويين" أو بين "هذا الطرف وذاك"، قافزة فوق كل التعقيدات السورية.


"بي بي سي عربي"

يقول رئيس تحرير الأخبار في تلفزيون "بي بي سي" عربي، إدغار جلاد، في اتصال مع "العربي الجديد": "حجم الخبر السوري مرتبط حُكماً بحجمه الحقيقي على الأرض، أيّ أننا لا نتعمد إعطاء الخبر السوري حجماً مسبقاً تبعاً لقرار سياسي". ويضيف أن قوة القصة هي التي تقرر حجمها، سواء أكانت مرتبطة بالتطورات في سورية أم أي خبر آخر. ويتابع قائلاً: "لا شك في أن صعوبة الحصول على المعلومات من الداخل وإمكانية التدقيق في صحتها تجعل التغطية أقل مما نصبو إليه أحيانا".

وفي سؤالٍ عما إذا كانت سورية لا تزال الأولوية في نشرات الأخبار، أم أن هناك دولاً أخرى
مثل ليبيا واليمن ومصر احتلت الصدارة، يقول جلاد: "إننا نتوجه إلى مشاهد عربي معني بالتطورات الحاصلة في هذه الدول. القصة الأقوى تفرض نفسها".

أمّا بالنسبة لنقل موقف سياسي معيّن من خلال تغطية الخبر السوري، يوضح إدغار جلاد: "نقطة قوة بي بي سي أنها مموّلة من دافعي الضرائب، وهي مسؤولة أمامهم فقط. وبالتالي لا يستطيع أي طرف أو أي جهة، سواء أكانت حكومية أم غير حكومية، إملاء توجهاتها عليها. القرارات التحريرية يتخذها الصحافيّون ورؤساء التحرير، بغض النظر عن أي تأثير خارجي، والتعامل معها يجري وفقاً لمعايير التوازن والحياد والموضوعية التي قامت على أساسها سمعة "بي بي سي" منذ عقود طويلة. وهذا أيضاً ما ساعد "بي بي سي" عربي في احتلال مكانة متقدمة وسط منافسة قوية بين مؤسسات تتمتع بإمكانات عملاقة تتخطى بكثير ما هو متوفر لمحطتنا، في زمن يشهد فيه الإعلام العربي الكثير من الاصطفاف تبعاً للظروف السائدة".

إقرأ أيضاً: الناشطون الإعلاميون: الحرية غصباً عن داعش والأسد

"العربية": السعودية أولاً

لا شك في أن الإعلام السعودي لعب دوراً هاماً في تغطية الأزمة السورية. ومن أبرز الفضائيات التي شاركت في خلق مسار سياسي في الثورة هي قناة "العربية". إلا أنه في الآونة الأخيرة لم يعد الخبر السوري يتصدر عناوينها. يرى منتج الأخبار السورية في قناة "العربية"، فراس حمزة، أن الخبر السوري سجّل تراجعاً ملحوظاً في نشرات الأخبار منذ مجزرة الكيماوي في الغوطة، تحديداً بعدما قيل إنه تم تسليم النظام أسلحته الكيماوية.

ويقول لـ "العربي الجديد": "لم يعد الحدث السوري عنواناً رئيسياً إلا عندما يكون حدثاً سياسياً
بين الدول، مثلاً: تصريح كيري أخرج الحدث السوري عنواناً أول في نشرة الأخبار".

ويضيف: "في بداية الثورة كنا ننتج من عشرة إلى ثلاثة عشر تقريراً يومياً، ونعيد بث بعضها أكثر من مرة، أما اليوم تدنى عدد التقارير إلى خمسة أو أربعة أو ثلاثة تقارير مع إعادة بث مرتين فقط، وأصبحنا نعتمد في أخبارنا على المرصد السوري والشبكة السورية، بالإضافة إلى تعاون مع بعض الناشطين داخل الأراضي السورية بعقود حرّة. وعادة نبرز تقريراً معيناً إذا احتوى على تصريح سعودي من قبل الدولة أو الدبلوماسيين تجاه الملف السوري، ونعمد إلى تكراره أكثر من مرّتين خلال اليوم".

إقرأ أيضاً: صورة الثورة السوريّة: تحطيم البعثنة

"الجزيرة" جزء من الصراع؟

خلال محاولة "العربي الجديد" الوقوف على سياسة قناة "الجزيرة" التحريرية في الملف السوري، اتصلنا بأكثر من مسؤول في القناة، لكن من دون أن نلقى أي جواب يذكر. إلا أن مصدراً من داخل الفضائية أكد لـ "العربي الجديد" أن "الخبر السوري ما زال عنواناً أساسياً في أخبار قناة الجزيرة"، وهناك كثافة في إنتاج التقارير اليومية من مكاتب البلدان التي يوجد فيها اللاجئون السوريون (لبنان، الأردن، تركيا).

وبالتالي لم يغب الخبر السوري عن شاشة "الجزيرة"، ولم تستطع الأحداث السياسية في اليمن وليبيا ومصر أن تسرق أهمية الحدث السوري. يسجل لليبيا أنها استطاعت ان تكون في صدارة أخبار "الجزيرة" في السنوات الماضية إلا أنها تراجعت شيئاً فشيئاً". أما على صعيد تضمين المواقف السياسية في الخبر السوري، يقول المصدر إن ذلك غائب تقريباً عن التقارير الإنسانية التي تتناول ملف اللاجئين وأزماتهم الاقتصادية والاجتماعية، "إلا أنها موجودة وبوضوح في الأخبار التي تحتوي على مفاوضات مع نظام الأسد مثلاً"..

وعلى الرغم مما يؤكده المصدر، فإن شواهد كثيرة تكشف تبدّل أولويات القناة بتبدّل التطورات السياسية في المنطقة. فمثلاً بعد الانقلاب على الرئيس المصري محمد مرسي، بقي الخبر المصري خبراً أول على شاشة "الجزيرة". فكنّا نشاهد مثلاً العنوان الأول عن "تظاهرة مناهضة للانقلاب في جامعة القاهرة"، يليها في العنوان الثاني "ثلاثون قتيلاً في حلب" (مثلاً).

ماذا عن الباقين؟

إلى جانب الفضائيات الأساسية في العالم العربي نشاهد تراجع الخبر السوري على أغلب القنوات الأخرى. في لبنان مثلاً ظلّ الخبر السوري يتصدّر النشرات إلى أشهر ليتحوّل اليوم إلى خبر ثانٍ. باستثناء القنوات المعنية مباشرة بالصراع مثل قناة "المنار" التابعة لـ "حزب الله" اللبناني المشارك في معارك سورية إلى جانب النظام. حيث نشاهد مراسلين ميدانيين يواكبون معارك الحزب والجيش النظامي بشكل يومي، ويطلون برسائل مباشرة في النشرات المسائية.

إقرأ أيضاً: السوريون يغردون: هل يصل الحزم إلى سورية؟

المساهمون