الحِصّة 67: احتفالات مدرسة النكبة

الحِصّة 67: احتفالات مدرسة النكبة

18 مايو 2015
الصورة
"ألعاب الصبر"، رنا بشارة
+ الخط -

استعادة الذكريات لا تفيد الرواية العربيّة لنكبة عام 1948. ذلك أنّ الشحن العاطفي (سريع الأثر في توليده وزواله) هو من منتجات المؤسسة البلاغيّة التي تقصد إعفاء النظام الرسميّ من مسؤوليته عن استمرار حدوث النكبة.

إذ لم نسمع عن مفاتيح أبواب قديمة تُفضي إلى بيوتها عبر احتفالات تقيمها مدرسة أو وزارة أو حركة. ولم نسمع عن "دلعونيّات" من الفلكلور الشعبي تمنح اللاجئ أكثر من هُويّته في وكالة الغوث: "كرت المؤن".

غير أنّ ارتباط الرواية بالتاريخ وما ينكشف منه بالتراكم وما يحتجب فيه بالتقادم، يظهر حاجة الحدث إلى تثبيت "الذكريات" بعناصر رصينة أبرزها الاشتباك في الواقع لا الانسحاب إلى المناسبة، والمقاومة من أجل التحرير لا التسوية من أجل العودة، والتفكير على أساس الوجود لا المخاتلة على أساس الممكن.

ومن هنا كانت الكتلة البشريّة على الأرض وفي اللجوء هي عنصر الرواية الناظم، حيث لم تغادر الوعي بالمكان رغم محاولات - مأسسة الزمن الذي ينتمي إليه هذا المكان - على اللحظة الراهنة؛ أي على النقطة التي انتهى إليها الواقع. والتي تعني أن تصبح القضيّة الأولى: وظيفة مكتبيّة "للمناضل" أو بطاقة ممغنطة أو حاجز هنا وحاجز هناك. وأن تنتهي مسألة الاستيطان إلى مسألة نزاع حدودي بين فريق مفاوضات - لم يحدث فرقاً منذ أكثر من عقدين - وحكومات "إسرائيليّة" متعاقبة لا تساعد على الحلّ بتعبير اللغة التي "تأسرلت" من كثرة تطعيمها بأخلاط حلّ الدولتين.

إنّ أيّ محاولة لاجتراح قول جديد في النكبة ستنتهي إلى النتيجة ذاتها. وهي أن ما يمكن فعله الآن هو ما لم يكن بالإمكان فعله فيما مضى، وهو استعادة فلسطين من الكيان الاستعماري الذي قام على ثلاثية المحو والنفي والإحلال.

قبل سنوات أطلقت حملة واسعة في صفحات التواصل الاجتماعي تقوم على افتراض نفي الحدث: "لو لم تحدث النكبة". إلا النفي هنا يستمد إثباته من الحدث نفسه. إذ لو لم تحدث النكبة لما قام الافتراض من الأصل. طابع السخرية هو ما غلب على الكتابات التي ساهمت في تلك الحملة. ولأنّ السخرية من مواصفات الموضوعيّة بتعبير كيركغارد؛ فإنّ موضوعيّة النكبة تقع في الملهاة الفلسطينيّة التي تعني السخرية من مَوْضَعة النكبة في المذبحة والخذلان وتجارة الذكريات.

ولمّا كانت أوسلو هي المقدمة العمليّة للخلاص من حمولة النكبة؛ كانت مسألة الاعتراف بواقع سقوط الجغرافيا بيد عصابات مسلحة أنتجت دولة توسّعت ثمّ انسحبت فأنهت صراعاتها مع طَوْق من الدول المحيطة. لكنّ "إسرائيل" تطالب الآن بالاعتراف بأكثر من ذلك؛ بتاريخيّة روايتها: "يهوديّة الدولة" لا الاعتراف الذي يحقق وجودها ويحفظ أمنها فحسب.

في حرب غزّة الأخيرة عبرت صواريخ المقاومة إلى أراضي النكبة، ما خلخل ذلك الرهبوت الذي يغلّف "إسرائيل". وفي الوقت نفسه كرّس مقولة الردع وقرّب فكرة التحرير.


(كاتب فلسطيني/ الخليل)

دلالات

المساهمون