الحيوات الثلاث لـ كارل ماركس

11 مايو 2018
الصورة
تجهيز لـ أوتمار هورل، 500 منحوتة لماركس/ ألمانيا

لما فتح جيلنا عينيه على التفكير الفلسفي، ومن ثمة على السياسة، في بداية تسعينيات القرن الماضي، كان كارل ماركس قد تحوّل في نظر الكثيرين إلى "كلب ميت"، وكان أبلغ تعبير عن ذلك، هو ما سمعناه عن إغلاق "المركز الثقافي السوفييتي" أبوابه في العاصمة الرباط، لتتحوّل البناية بعيد ذلك بوقت قصير إلى محل "ماكدونالد".

كان "المركز الثقافي السوفييتي" يوزّع كتب الشيوعية بالمجّان مترجمة إلى الفرنسية والعربية، وبفضله تعرّف الكثير من الطلبة المغاربة ليس على الماركسية فقط، ولكن أيضاً على الأدب الروسي.

في تلك المرحلة أيضاً سنقف على ما أسماه محمد عابد الجابري بـ"السياحة الفكرية"، فأتباع ماركس بالأمس أضحوا اليوم سماسرة للرأسمالية والفكر النيوليبرالي، وستنهار أحزاب ومعها تنهار أحلام، وسيكتب مفكر مصري مغترب، هو رشدي فكار (1928-2000)، بأن العدالة كانت تقتضي أن يسقط المعسكر الغربي، قال ذلك رغم محافظته. وسيردّد بعضهم في حيرة: إكرام الميت دفنه. استبدلت الشعوب أحلامها بالحلم الأميركي، وسيكتب فرانسيس فوكوياما نقلاً عن ألكسندر كوجيف، "نهاية التاريخ".

سألتقي كعادتي بالرفيق مصطفى الذي كان قد عاد لتوّه من الاتحاد السوفييتي، حيث قضى سنوات في "جامعة ماريوبول" يدرس الميكانيكا والاشتراكية العلمية، وأسمعه مرة أخرى يردّد بينه وبين نفسه: لقد كان وهماً جميلاً. سيقول لي، لأول مرة يشعر أن الواقع يسبقه، وأن الشيوعية لم تفهم شيئاً من التاريخ.

في ألمانيا، سألتقي جميل، ماويٌّ، هرب من وطنه، حالماً بصين تملأ الدنيا خبزاً بعد أن ملأها الأميركان جوعاً، سأتذكر عند أول لقاء به، كلمات الرفيق مصطفى، وأشعر كما لو أنني أقف أمام الشخص نفسه.

سيصل جميل إلى فرانكفورت عشية الثورة الطلابية في عام 1968، وستترك تلك الثورة بصماتها على حياته، سينجز بحثاً جامعياً يحمل عنوان: "التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمغرب في ظل الحماية"، أتذكّر آخر سطوره، مقتطفة من رسالة لآخر مقيم عام فرنسي في المغرب، يقول فيها: "يفضّل أن نتفاوض اليوم مع الملكية وحزب الاستقلال على أن نتفاوض غداً مع بروليتاريا الدار البيضاء".

بعد خمسين عاماً، يعود جميل إلى المغرب. لن يطول به المقام هناك. "كل شيء تغيّر!" قال لي. كما لو أنه أدرك لأول مرة أن كل شيء يتغيّر. جميل نفسه من سيُعرّفني على صديقه فولكر برادكه، الذي درس عند الماركسي الشهير فولفغانغ أبندروت، والذي كان ينفق نصف السنة تقريباً في المصحة النفسية بمدينة ماربورغ، والنصف الثاني هائماً على وجهه في شوارعها وباراتها.

لقد انتبه ماركس بأن حل المشكل الاقتصادي، لن يضع حداً لمشاكل البشرية، ولربما هذا ما جعل أرنست بلوخ يوسّع من مدى مفهوم الاستلاب ليشمل مجموع الأبعاد الوجودية للبشر، ولكن الاستلاب الذي ربطه ماركس باستمرار علاقات إنتاج معيّنة، لا يمكننا أن نختزله فيها. فقد يعمّق من مدى هذا الاستلاب استمرارنا في الإيمان بنظرية تنتمي إلى القرن التاسع عشر، ومنها اعتقادنا بأن الرأسمالية مرض البشرية بدلاً من الحديث عن رأسمالية مريضة.

يمكننا أن نقول عن ماركس، ما قاله هايدغر عن نيتشه، فإذا مثّل نيتشه وإنسانُه الأعلى نهاية للميتافيزيقا الغربية، أو ذروتها دون أن يتمكن من الخروج منها؛ فإنه يمكننا قراءة ماركس أيضاً كأعلى مرحلة في المثالية الألمانية، على الأقل في ما يتعلق بفلسفته للتاريخ، فهو وإن قلب الديالكتيك على قدميه، فقد ظل حبيس روح العالم.

ماركس نفسه، يؤكد في "كتاب الرأسمال" (الطبعة الثانية 1873) بأنه كان تلميذاً لهيغل وأنه فخور بذلك، وحين ينتقد الفلسفة، فهو ينتقد نفسه ومعه الهيغليين الشباب، والذين دشنوا نقاشات معيارية كبيرة، كما فعل عبد الله العروي مثلاً في "الأديولوجية العربية المعاصرة" دون معرفة حقيقية بالواقع والمجتمع.

بل أكثر من ذلك، فإن "الرأسمال" لماركس مبني بطريقة تشبه "علم المنطق" لهيغل، والذي كما نعرف لا يقدّم لنا فلسفة تاريخية بل أناتوميا للتفكير. إن المنطق بالنسبة لهيغل لا زمانية له، فالأمر يتعلق هنا بعلاقات منطقية محضة.

في "الرأسمال"، سيجمع ماركس بين التحليل التاريخي والمنطقي. إن الأمر أشبه بما نسمّيه اليوم بنظرية النظام. لكن ماركس لا يطلب أناتوميا النظام فقط، إنه يهدف إلى تغييره. لكن أناتوميا "الرأسمال"، كما أنجزها ماركس، لن يستفيد منها في النهاية سوى النظام الرأسمالي نفسه، والذي سيدرك بأن ميكانيزم التدمير الذاتي المتأصل في طبيعة النظام الرأسمالي يمكن مراقبته ووضع حدود له. إن ماركس حي، وحي بقوة داخل النظام الرأسمالي نفسه، ولكن بعد أن تم التخلص من قفازاته الفلسفية والطوباوية.

سيتحدّث الفكر العربي أيضاً عن الحاجة إلى ماركس جديد، ولن يبالغ الجابري مثلاً وهو ينتقد ستالينية الأحزاب الشيوعية العربية، معتبراً أن "شيوعيتهم ـ أي انتماءهم للشيوعية العالمية ـ سبقت ماركسيتهم فأطرتها منذ البداية وسلبتها القدرة على التحليل العلمي الحر"، وهو نقد كان قد عبّر عنه إلياس مرقص أيضاً، مؤكداً بأن الأحزاب الشيوعية العربية رفعت "النظرية إلى مستوى اللاهوت".

ولكننا لن نغادر أرض اللاهوت الماركسي إلا إذا فهمنا أن ما تبقى من الماركسية اليوم هو قدرتها التفسيرية، أو تطوير هذه القدرة، وذلك ضداً على فهم ماركس نفسه لدور فلسفته. وبعبارة أخرى، إن نقد الاقتصاد السياسي كما دشّنه ماركس أو نقد الرأسمال، من شأنه أن يساعدنا على تأسيس وعي نقدي وفهم واقعي لتناقضات الرأسمالية العالمية وتصديرها للأزمات إلى الأطراف، وإلى الأطراف المغلوبة على أمرها مثل بلدان العالم العربي. إن من شأن ماركسية كهذه أن تؤسس لوعي واقعي، وبلغة أخرى إن "الماركسية العربية" التي حلم بها جيل الجابري، لن تكون عربية.

لكن بعيداً عن النظرية، أجزم أننا لن نفهم الماركسية إذا أغفلنا المصائر الفردية لمن اعتنقها ردحاً من الزمن أو من ظلّ يؤمن بها حتى اليوم، وبلغة أخرى، إذا لم نكتب تاريخ من لا تاريخ لهم.

سنوات على هجرتي إلى ألمانيا، سأعود إلى الوطن، وأسأل عن الرفيق مصطفى، سيُخبرني أصدقاء أنه رحل إلى البيضاء ليعمل في ورشة ميكانيكا، وأنه تزوّج ورزق بثلاثة أطفال. سأتذكر جورج لوكاتش وما كتبه في "نظرية الرواية" قبل أن تعبث الماركسية بعقله، من أن سرير الزوجية، نهاية البطل الروائي.