الحوثي والحلم الإيراني
فيما مسيرات الحوثيين تجوب شوارع صنعاء، وأعدادٌ أكبر تحتشد على تخومها، يبدو أن المشهد اليمني، المضطرب أصلاً، على موعد مع تحولاتٍ أقل ما توصف بالخطرة. فبعد التمدّد العسكري المضطرد للحوثيين، الذي سيطروا، من خلاله، على مناطق عدة، في ظل تراخٍ حكومي غير مبرر، تفرض الجماعة الدينية المسلحة واقعاً سياسياً جديداً على اليمنيين، في صيغة مطالبات، ظاهرها مصلحة الشعب، وباطنها الاستحواذ على السلطة، بتغيير الخارطة السياسية للحكم.
وهو ما سيقود في المحصّلة، إلى تحجيم قوى أخرى، خصوصاً ذات الصبغة الإسلامية منها، وهي التي دخلت معها من قبل في مواجهات عسكرية شرسة هدفت إلى إضعافها. ويأتي التحرك الحوثي في هذا التوقيت، استغلالاً للظرف السياسي الراهن. فالحكومة، التي تقود مرحلة انتقالية، تواجه واقعاً اقتصادياً وأمنياً بالغ الصعوبة، حيث يعتقد الحوثيون أن النظام الحاكم قابل للابتزاز السياسي، ومضطر لتقديم التنازلات.
فمع أن المعارك تدور بين الجيش والحوثيين، وتسقط مناطق إدارية شاسعة في قبضة الجماعة، تستمر اللجان الرئاسية في زيارة صعدة لطلب التهدئة، وهو ما يثير نهم الحوثي للتمادي أكثر، والسعي إلى تحقيق مكاسب أكبر.
فالاعتصامات المسلحة، اليوم، في صنعاء، أداة ضغط قد تتطور، في حالة رفض النظام، إلى النزعة الحوثية المتعاظمة للهيمنة على السلطة، ما سيدفع الحوثيين إلى التصعيد عبر شلّ عمل مؤسسات الدولة.
وتبقى فكرة ابتلاع السلطة بالقوة، شيئاً من السذاجة السياسية، ليس لوجود قوات مسلحة، فحسب، بل لعامل أكثر تأثيراً، هو (القبيلة)، والتي كانت جزءاً رئيسياً من قوة الحوثيين، إلى جانب (العقيدة). فالقبائل الأخرى لن تقبل أن تكون محكومة من فئة صغيرة، نسبة للقوى القبلية الكبرى في اليمن، التي ظلت داعمة للنظام اليمني عقوداً، مستفيدة من وجوده، وممثلة له القاعدة الشعبية الصلبة.
كما أن الموقف الدولي والاقليمي سيواجه، بشدّة، أي انقلاب حوثي مسلح، حتى مع محدودية ردود الفعل. فمسعى هذه الجماعة لم يعد المشاركة السياسية، بل الاستحواذ على قدر كبير من سلطة القرار الرسمي اليمني، ما سيقود إلى تضخم قوتها العسكرية والاقتصادية، لأنها، حينئذٍ، ستكون جزءاً من النظام.
فمحصّلة ذلك أن تغدو اليمن دولة فاشلة، لما للحوثيين من ارتباطات إقليمية ستحيل البلد رهينة خيارات الآخرين، وأداةً لتنفيذ أهدافهم. فالعراق ولبنان من أدلّ الشواهد على الفشل السياسي، حينما استطاعت إيران أن تفرض فيهما مندوبين دائمين، يمارسون السياسة بمنطق العصابة.