الحوثيون وتحدّي العبور إلى الدولة بعيدا عن لغة السلاح

الحوثيون وتحدّي العبور إلى الدولة بعيدا عن لغة السلاح

12 ابريل 2014
الصورة
من تشييع ممثل الجماعة بالحوار أحمد شرف الدين (أرشيف،الأناضول،Getty)
+ الخط -
ما الذي تريده جماعة "أنصار الله" (الحوثيون)؟ يتبادر هذا السؤال إلى أذهان اليمنيين كل يوم وهم يراقبون تطورات الأوضاع العسكرية في مناطق نفوذ الجماعة في صعدة وجوارها، اللذين يشهدان تقدماً مستمراً لقوات الحوثي، جعلتها تصل إلى مشارف العاصمة صنعاء.
كما يحضر هذا السؤال مع كل موقف للجماعة، سواء أصدر ذلك عن مكتبها السياسي، أو على لسان زعيمها عبد الملك الحوثي، ولا سيما أن الهوة لا تزال عميقة بين أقوال الجماعة وبين أفعالها.

قد يكون خطاب الحوثي، أمس، هو الأكثر صراحة منذ مدة. تطرق إلى ما يجري على الساحة السياسية بمجملها. قدم رؤية متكاملة للجماعة حيال مسار التسوية السياسية ومآخذ "أنصار الله" عليها، أو في ما يتعلق بالاستحقاق الانتخابي المقبل، واعتماد السجل الانتخابي القديم.

كذلك دعا الحوثي إلى المصالحة الوطنية، مطالباً بالتوقف عن محاولات الاقصاء في اليمن.
يمكن لمجمل ما طرحه الحوثي أمس، في ما يتعلق بمسار العملية السياسية أن يشكل نقطة اجماع لدى معظم اليمنيين، أخذاً بعين الاعتبار تلكؤ الحكومة في تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، وعدم فعاليتها في مواجهة التحديات السياسية والأمنية.

لكن في موازاة انتقادات الحوثي للأطراف السياسية اليمنية، فإن دعوته للمصالحة تتطلب أن تنصت الجماعة جيداً إلى المآخذ عليها، ولا سيما في الآونة الأخيرة.

يُنظر إلى الجماعة اليوم من قبل فئة من اليمنيين على أنها جزء من مشاكل البلاد، وليست جزءاً من الحل.
بإمكان "أنصار الله" ان يقولوا إنهم ظُلموا في الماضي، وبأن حروباً ستّاً خيضت ضدهم من قبل الدولة. وفي وسعهم، أيضاً، أن يحاججوا بأن تعاظم دورهم في صعدة، لم يكن إلا نتيجة تعمد السلطة اهمال مناطق صعدة وجوارها.

كذلك باستطاعتهم أن يشيروا إلى عمليات اعتداء طاولتهم في عمران، وأن تقدمهم العسكري الأخير في المحافظة، لم يكن إلا نتيجة أخطاء خصومهم، سواء من آل الأحمر، أو حزب التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمين).
وبإمكان "أنصار الله" أن يتحدثوا عن محاولات لاستمرار إقصائهم عن المشهد السياسي، وصلت إلى حد التصفية الجسدية لقيادات في الجماعة. ويستطيع الحوثيون، أيضاً، أن يقولوا إن كل ذلك حدث في وقت شاركوا فيه بالحوار. وبإمكانهم أن يتحججوا بمحاولات لشيطتنهم، مثلما باستطاعتهم القول إن خصومهم ليسوا أفضل منهم.

لكن على الرغم من صحة كل هذه المعطيات، فإن المظلومية التي بنى الحوثيون خطابهم عليها طوال السنوات الماضية لحشد أنصارهم من جهة، ومخاطبة اليمنيين من جهة ثانية، لم تعد كافية اليوم على الاطلاق. ذلك أن هناك أخطاء وقع فيها الحوثيون، لا يمكن حجبها تماماً مثلما هناك أسئلة، يتوجب على "أنصار الله" أن يقدموا لليمنيين أجوبة عنها.

ما لا يجب على الحوثيين إغفاله، هو أن مشاركتهم في التسوية السياسية جعلت منهم شركاء في تمرير التجاوزات التي سُجّلت عليها، وخصوصاً في الحوار الوطني، وهو ما جعل الاعتراضات التي قدمت من قبلهم في الأيام الأخيرة للحوار أو في لجنة تحديد الأقاليم، لا تعدو كونها اعتراضات شكلية، وهو سلوك بات يحمّل الحوثيين، على غرار الأحزاب السياسية اليمنية الأخرى، جزءاً من المسؤولية عن الالتفاف على الثورة الشبابية وأهدافها.

وما يجب على الحوثيين اقناع الناس به، هو كيف يمكن الحديث عن استعداد لتبني خيار أن تكون الدولة مدنية ومطالبتهم بدور أكبر للدولة، في الوقت الذي يكون السلاح هو اللغة الأكثر إجادة لديهم في مواجهة الخصوم، بغض النظر عن أخطاء أو تعديات الأخيرين؟
وكيف يمكن الحديث عن دولة مدنية يريدها الحوثيون، فيما محافظة صعدة وجوارها بعيدة كل البعد عن اي ممارسات مدنية، وتحديداً لجهة مصادرة كل ما له علاقة بالحريات المدنية، والشخصية ليشمل ذلك منع الاستماع إلى الموسيقى ولو بالقوة، ومنع المواطنين من حرية ارتداء ما يريدون من ملابس، فضلاً عن السجون الخاصة بالحوثيين؟

وما لا يستطيع الحوثيون تفسيره أيضاً، هو كيف يمكن الحديث عن دولة مدنية فيما أقدم الحوثيون على تسليح أنصارهم داخل أحياء في العاصمة اليمنية، وتحولت الجوامع والأحياء بفعل خلافاتهم مع الاصلاحيين والسلفيين، إلى أماكن للعراك والموت في بعض الأحيان؟

لعل الدرس الرئيسي الذي يغفله الحوثيون، أن الدولة الفاعلة والمدنية، ليست مجرد شعارات، وأن امتناع الدولة عن القيام بواجباتها أو ممارسات خصومهم السياسيين، لا يعفي "أنصار الله" من إثبات أنهم على عكس الآخرين، يطبقون ما يروجون لهم من شعارات.
والأهم من كل ذلك، أن توسعهم السياسي، وهو حق مكتسب ليس بإمكان أي أحد نكرانه لهم، لكنه لا يجب أن يبقى دائماً مرهوناً بقوة عسكرية لحمايته.

ولذلك، فإن التحدي الأبرز أمام الجماعة، يبقى اثبات أن لديها القدرة على تحقيق انتصارات سياسية وليس عسكرية فحسب، وهو ما يتطلب، ليس مجرد مصالحة وطنية فقط، بل العمل على إعادة رسم لخريطة التحالفات السياسية اليمنية، لصياغة مشروع سياسي جديد يكون الضامن الأول والأخير لـ "أنصار الله" بعيداً عن لغة السلاح ومنطق القوة.

المساهمون