الحمير تدفع الثمن

23 يونيو 2015
الصورة
+ الخط -
لم أكن أتخيل أن يصبح حماري ثميناً إلى هذا الحد، أنا الذي كنت موشكاً على التخلص منه، منذ انقلاب عبد الفتاح السيسي على الشرعية. 
لأكن واضحاً، منعاً للّبس والتأويل، فحماري لم يرتفع ثمنه نتيجة الفضائح الأخيرة، المتمثلة بالقبض على رهط جزارين، يبيعون لحم الحمير بوصفه لحم جواميس، وفق ما تناقلته الأنباء، أخيراً، وتداولت صور الحمير المذبوحة مع الجزارين المشبوهين في ارتكاب هذا الفعل الشنيع، بل تتعلق المسألة بحماري نفسه، الذي تغيرت طباعه كثيراً منذ اللحظات الأولى التي سبقت انقلاب السيسي.
سابقاً، كان حماري مطيعاً لي، وودوداً للغاية. لا أذكر أبداً أنه أبدى مقاومةً، أو معارضةً، لأوامري. وكنت أجول به أحياء القاهرة كلها شرقاً وغرباً، من دون أن يظهر نأمة امتعاض، وأحمل فوقه ما تيسّر من فوائض حاويات القمامة، من دون اعتراض، وأعترف بأنني كنت أرهقه أحياناً، وأحمله فوق طاقته، خصوصاً إذا ظفرت بصيد ثمين، كتلفاز أو قطعة أثاث صالحة للبيع.
كان يبدو وكأنه قانع بقدره، واسطة نقل وحمل لا أكثر، بل ويحترم هذا الدور الذي يقوم به ويبجله، أحياناً، بدليل أنني إذا ما تقاعست يوماً عن التجوال، سمعته ينهق بأعلى صوته، ويظهر من حركات الامتعاض ما يجعلني أشفق عليه، وأنفذ جولةً، ولو بسيطة، إرضاء له.
غير أن هذا الحمار اللعين تغير فجأة، وراح يباغتني بطباع مغايرةٍ، لم آلفها من قبل، منذ تلك اللحظات التي بدأت تندفع فيها حشود المؤيدين لانقلاب السيسي إلى ميدان التحرير قبل نحو عامين.
صار الحمار أكثر عدوانية، ورفضاً للأوامر، بل وتجرأ على رفسي في إحدى المرات، التي أزمعت فيها الخروج بجولة الفجر المعتادة، فكاد يحطم قفصي الصدري، وتركني أصارع أنفاسي أمام البيت، وفرّ هارباً. وحين تحاملت على نفسي، ورحت أطارده، فاجأني بوصوله إلى ميدان التحرير، وراح ينهق بشدة، وكأنه يشارك جموع المحتجين هتافاتهم التي لم أكن أميز شعاراتها، ولا أدرك فحواها، على النقيض تماماً من الشعارات السابقة، التي كانت ترددها جموع أخرى في الميدان نفسه ضد حسني مبارك، فقد كنتُ، آنذاك، أفهم كل ما يقال، على الرغم من ضحالة ثقافتي.
المهم، بذلت جهداً خرافياً في اختراق تلك الجموع الصارخة اللاطمة، حتى وصلت إلى حماري، ثم بذلت جهوداً مضاعفة أخرى، كي أخرجه من خضم هذا الطوفان. لكن، كم كانت مفاجأتي كبيرة، حين اكتشفت أنني أخرجت حماراً آخر لم يكن حماري، فعجبت، لأنني ظننت أن حماري وحده من اخترق الحشود.
عاودت الكرة مرات ومرات، بين غوص وخروج، وفي كل مرةٍ، أجد معي حماراً مغايراً، إلى أن ابتسم لي الحظ، أخيراً، فظفرت بحماري اللعين.
ظننت أن الأمور بعد ذلك ستسير على ما يرام، ولن أخوض تجربة قاسية كهذه ثانية، غير أن هذا الحمار القذر أبى إلا أن يعاود الكرة، فينسل من حظيرته، ويمضي إلى ميدان التحرير، ثم تعاظمت عدوانيته أكثر بعد نجاح الانقلاب، وبدأ يأتي بأفعال جديدةٍ، لم أكن أعهدها من قبل. منها، مثلاً، وقوفه متسمراً، إذا صادفنا، في أثناء تجوالنا، صورة معلقة لقائد الانقلاب على أحد الحوائط، وفي عينيه خشوع وذهول غريبان، وعندها، لا تقوى سياط الأرض كلها على زحزحته من مكانه، حتى يكتفي هو من طقسه الغريب.
الأنكى من ذلك كله، ارتفاع ثمن حماري في السوق، حتى قبل ظهور موجة ذبح الحمير، إذ وجدت كائناتٍ كثيرة كنت أراها في ميدان التحرير، تطرق بابي يومياً لشراء الحمار، فاستغربت، بادئ الأمر، من هذا الاهتمام المباغت بالحمير، لكنني سرعان ما انتبهت حينها إلى أن الحمير باتت مفقودة من شوارع مصر كلها بعد نجاح الانقلاب.
يقال، أيضاً، والعهدة على الراوي، أن الحمير التي تذبح الآن، وتباع لحوماً رخيصة للناس في مصر، إنما تدفع ثمن مؤازرتها هذا الانقلاب.