الحملة الإماراتية المصرية: هل جاء دور عزمي بشارة؟

الحملة الإماراتية المصرية: هل جاء دور عزمي بشارة؟

10 اغسطس 2014
الصورة
+ الخط -
ضمن صناعة الأكاذيب وترويجها واقتباسها بعد ترويجها، كأنها حقائق، نشهد منذ أيام حملة ذات طابع إعلامي ــ أمني، ميدانها وسائل التواصل الاجتماعي، "فيسبوك" و"تويتر"، وبعض مواقع الإنترنت، هدفها ترهيب المقاومة في غزة للتنازل عن مطالبها أمام الشروط الإسرائيلية، والقبول بوقف إطلاق نار مذلّ، ولا تقف الحملة عند استهداف المقاومة وحركة "حماس"، بل يجري التركيز بصورة ممنهجة على الدكتور عزمي بشارة، الكاتب والمفكر العربي المعروف، ورئيس مجلس إدارة "فضاءات ميديا" التي تصدر "العربي الجديد".
نشهد منذ أيام فبركات وأكاذيب من النمط الدعائي الموجه للمسّ بكل ما هو محترم والتشكيك بكل ما هو نبيل في المنطقة العربية، كما نشهد تهديدات بعضها مبطن والآخر علني للدكتور بشارة، بسبب مواقفه الواضحة والصريحة في الدفاع عن قيم الربيع العربي في الديمقراطية والكرامة وحقوق الإنسان، ومحاولة لثنيه عن مواصلة مشروعه السياسي والفكري والتنويري في الدفاع عن قضايا العرب العادلة.


وربما كان هذا دافعه في كتابة نص قصير، أخيراً، عدّد فيه التحديات أمام أي ديمقراطي عربي في المرحلة الراهنة، فضلاً عن أن يكون ديمقراطياً ومفكراً ومؤثراً على جيل بأكمله. إن خصوم الديمقراطي العربي في هذه المرحلة كثر من نظام "الأبارتهايد" الصهيوني في فلسطين وحتى الثورة المضادة والقوى الرجعية العربية. وحتى المعسكرات القديمة اختفت وحلت محلها حملات أكاذيب ودسّ متشابهة تعادي الديمقراطية والمقاومة بالدرجة ذاتها، وباللغة ذاتها.
ليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها استهداف الدكتور بشارة، بالافتراء والدسّ الرخيص منذ أن تشاركت إسرائيل وحلفاؤها وجواسيسها باستهدافه في فلسطين. وهو لا يكلف نفسه عناء الرد، لأنه لا يدخل في مهاترات، ويستغل البعض ترفّع المثقف الرصين عن مثل هذه الخصومات. ولكن الأمر هذه المرة يأخذ طابع التهديد المباشر الذي يرقى إلى التلويح بالاغتيال، كما ورد على لسان رئيس جهاز المخابرات المصرية، محمد التهامي.
وبعد ترفعه عن الرد صارت الحملات تأخذ منحى جديداً، واتخذت من تمسك المقاومة بشروطها موضوعاً للهجوم عليه، فتارةً تنسبُ له وضْع صيغة مطالب المقاومة، وأخرى تلفّق له تحضير مؤتمر لإعمار غزة في الأردن. وكأن هذه تهمة لو صحّت. وكأن حركة "حماس" قاصر وتحتاج لمن يرشدها. من الواضح أن المستهدف هو المقاومة ذاتها.
ولكثرة تهافت هذه الادعاءات، فإنها تبدو مثيرة للسخرية، فالدكتور بشارة، لا يخجل ولا يتهرب من تبني موقف المقاومة ضد الاحتلال وضد الظلم، بل هو يعتز بذلك، وهذا دأبه على الدوام، فقد وقف على مدى تاريخه النضالي مع قضية شعبه الفلسطيني في الداخل ضد التمييز العنصري، وضد "الأسرلة" و"المتأسرلين"، ومع المقاومة في لبنان وفي المناطق الفلسطينية المحتلة ودفع ثمناً كبيراً لذلك. وقد فعل كل هذا دون أن يتوقف عن الإنتاج الفكري الغزير، والإبداع، وبناء المؤسسات الأكاديمية والإعلامية والسياسية وغيرها.
ومن اللافت أن تهمة صياغة الدكتور بشارة، لمطالب المقاومة لوقف النار في غزة، جاءت للمرة الأولى من إسرائيل، ومن ثم جرى ترويجها من طرف الأجهزة المصرية والإماراتية، ولكي يسبغ هؤلاء بعض المصداقية على الفكرة فقد زجوا باسم قطر في الموضوع، ولا يخفى على عاقل هنا ملاحظة العداء المصري الإماراتي لدور قطر. وهي الدولة العربية الوحيدة في المشرق التي تمنح هامشاً لحرية التعبير لمن لا يريد الانتماء لأحد المحاور والمعسكرات الطائفية والسياسية في المنطقة.
وعزمي بشارة مناضل ومفكر معروف قبل أن يلجأ إلى قطر التي يسجل لها استضافته من دون شروط، وتمكينه من العمل ودعمه في بناء مؤسسات أكاديمية وإعلامية عربية رائدة. وهي لا تتدخل في عمله أو في إنتاجه الفكري ومواقفه السياسية الديمقراطية التقدمية، والعروبية في آن معاً.
بموازاة هذه الافتراءات تعمل مواقع إلكترونية هابطة تعيش في ظل أجهزة الدول الأمنية على تلفيق أخبار تضع الدكتور بشارة، في موضع من يدعم مواقع إعلامية مجهولة الهوية، من النوع الذي يدخل في إطار الصراع الحالي بين القوى السياسية في المنطقة، مع أن بشارة يكتب باسمه ويعلن مواقفه ويظهر إعلامياً حين يلزم. ولا يمكن أن يقف خلف موقع إلكتروني مجهول الهوية. ولكن موقعا مخابراتيا سوريا يحاول عبر مثل هذا النبش الانضمام إلى للحملة  الإماراتية المصرية.


لا يحتاج المرء إلى كبير عناء كي يكتشف لعبة هذه المواقع، فهي صدى للتهديدات التي تطلقها الأجهزة الإسرائيلية والمصرية والإماراتية، ومن يتولى الفبركة وترويج الاتهامات هم جملة من العملاء والأدوات المعروفين، ومنهم من يتخذ من دولة الإمارات ومصر وغيرها مقرات لبناء شبكة إعلامية هدفها ترويج البضائع الإعلامية الإسرائيلية الرخيصة وإيصال التهديدات الإسرائيلية بطريقة غير مباشرة، ومنهم من هو معروف باغتيال قيادات وطنية فلسطينية معروفة.
إنها مرحلة صعبة للديمقراطية وحقوق المواطن وحقوق الشعوب. ولكن من قال إن النضال من أجل هذه القضايا نزهة. ولكن أضعف الإيمان أن نواجه بالوعي والتنوير، حملات الدسّ والأكاذيب التي تنشر الجهل والانحلال القيمي.
هنا يثار السؤال: ترى هل كانت حملة التحريض هذه ستشن ضد عزمي بشارة لو وقف مع الأنظمة ضد الشعوب؟ أو لو اتخذ موقفاً طائفياً؟ أو لو اتهم المقاومة بالمسؤولية عن فقدان الضحايا المدنيين... أو لو ألف كتبه التي ينشرها في برج عاجي بعيداً عن هموم الناس، واهتم بصناعة نجوميته دون أن يغضب أحداً؟

المساهمون