الحلّ في الهجرة

30 يوليو 2020
الصورة
"أنا مش كافر" (أنور عمرو/ فرانس برس)

سعي اللبنانيّين إلى الهجرة، أو لنقل تأمين جنسيّة أو جواز سفر ثانٍ، لم يكن يوماً جديداً. بل ربّما يعود إلى ما قبل الحرب الأهلية التي بدأت في عام 1975. دائماً كانت الجنسية الثانية "البيت الصغير في كندا" كما تقول أغنية فيروز، والتي عادة ما نردّدها في الأزمات بعدما يكاد الهرب يكون الخيار الوحيد والأخير في وقت واحد. الناشطون القدامى، الذين آمنوا بالتغيير منذ ما بعد الحرب الأهلية، شاركوا في تظاهرات واعتصامات كثيرة. وكلّما ظنوا أن الوقت قد حان للتغيير، وجدوا أنفسهم مخطئين، إلى أن حان الوقت الذي كان عليهم أن ييأسوا فيه، وقد تجاوزوا صدمة استحالة التغيير. بعضُ هؤلاء كانوا أكثر إدراكاً للانحدار التدريجي الذي يُقبل عليه البلد. عاش هؤلاء مرحلة "التخدير" التي استمرّت سنوات، حالهم حال كثيرين، من دون أن ينسوا أن "الآتي أعظم"، وأن السقوط لن يكون بعيداً. اتخذوا قرارهم بعدم المشاركة في انتفاضة 17 أكتوبر/ تشرين الأول عام 2019، حين خرج لبنانيون مطالبين بحقوقهم المعيشية والاقتصادية. رفضهم المشاركة كان اعترافاً مسبقاً منهم بهزيمة كانوا مقبلين عليها، لأنه كان لديهم الكثير من الأمل لسنوات طويلة، قبل أن يقرروا عقد هدنة، وهي إما القبول بالواقع كما هو أو التكيف بمعنى آخر، أو الهجرة. وخيار الهجرة ليس تضحية أو تخلياً.
بعض الراغبين في الهجرة يأملون في ترك البلد بما فيه، وحتى في ناسه. ليس البلد وحده هو الذي لا يشبههم، بل ناسه وهمومه وفساده. لكلّ شخص حول العالم سببه في الهجرة إلى بلاد أخرى، سعياً إلى حياة وفرص أفضل. يبقى هناك فارق بين المهاجرين من بلدان شهدت وستشهد حروباً وويلات ومآسي وانتهاكات حقوق، وما زالت موعودة بالأسوأ. الهجرة هنا هي بمثابة بدء الحياة التي يفترض أن تكون لأي إنسان. على ماذا يمكن أن يحزن شخص يغادر بيتاً لا مياه ولا كهرباء فيه، ولا يمكن العيش فيه بسبب الرطوبة. نعم، تبقى الذكريات، ويبقى عدم الانتماء إلى مكان لم يقدّم لنا شيئاً. 

ولأنّ اللبنانيين عرفوا أن لبنان لن يكون يوماً بلداً يمكن تحقيق الحياة الآمنة أو الاستقرار فيه، سعوا جاهدين إلى حمل البطاقة التي قد تأخذهم إلى الخارج متى حانت اللحظة. ومنذ اللحظة التي يولد فيها طفل جديد، يحلم أهله بمستقبله خارج هذه الحدود، التي لا تحترم الحدّ الأدنى من إنسانيتنا. وبينما كان الناشطون ينزلون إلى الساحات للمطالبة بالتغيير، كانت بعض المناطق تبني جدراناً عنصرية، وكان آخرون يرفضون العبور في مناطق محددة لأنها من طوائف أخرى. 
الحلّ في الهجرة. ما من أمل في التغيير بل في الهجرة، طالما أن الخطأ قد حصل وولدنا هنا. وكأن التفاحة أسقطتنا في لبنان.