الحكومة البلجيكية مهددة بالسقوط بسبب ميثاق الهجرة

06 ديسمبر 2018
الصورة
من تحرك في بروكسل دعماً للمهاجرين (الأناضول)
+ الخط -
عندما تعهّد رئيس الوزراء البلجيكي، شارل ميشال، في سبتمبر/ أيلول الماضي، من على منصة الأمم المتحدة، بالتوقيع على ميثاق الأمم المتحدة حول الهجرة، لم تكن لديه فكرة ربما بأن هذا الملف سيعرّض حكومته للخطر. فلم يعبّر أي من وزراء حكومة يمين الوسط في بروكسل عن اعتراضات خلال المفاوضات. لكن مع اقتراب موعد التوقيع على هذه الاتفاقية في 10 و11 ديسمبر/ كانون الأول الحالي في مراكش المغربية، ظهرت تصدعات في الحكومة البلجيكية، عندما أعلن حزب التحالف الفلاماني، وهو حزب يميني قومي مناهض للهجرة وأحد الأحزاب الأربعة في الائتلاف الحاكم، رفضه قبول هذا النص لأنه يناقض رؤيته لسياسة الهجرة، مهدداً بمغادرة الحكومة إذا قرر رئيس الوزراء الذهاب إلى مراكش للتوقيع على الاتفاقية. وطالب الحزب بضرورة إدخال مجموعة من التعديلات على ميثاق الهجرة، بدعوى تهديده لسيادة الدول في مجال سياسة الهجرة.

هذه الأزمة باتت تهدد الحكومة البلجيكية بالسقوط. ويقول الخبير في الشؤون البلجيكية، فانسون جيوريس، لـ"العربي الجديد"، إن "حزب التحالف الفلاماني لم يُبدِ في البداية أي معارضة لنص الأمم المتحدة، لكن معارضة النمسا للاتفاق، وبروز صوت معادٍ له أيضاً في بلجيكا من خلال حزب فلامس بيلانج القومي المتطرف في منطقة الفلاندرز، فرض على التحالف تغيير موقفه، لأسباب انتخابية محضة، مضحياً بتجربته الأولى في الحكومة الفدرالية".

ففي 24 مايو/ أيار المقبل، ستجرى الانتخابات التشريعية في بلجيكا، في حال لم يتم تنظيم انتخابات مبكرة. ويسعى حزب التحالف الفلاماني إلى الاحتفاظ بالناخبين الذين جذبهم من صفوف حزب فلامس بيلانج منذ بداية العقد. وهم ناخبون يطالبون باستقلال ذاتي أكبر لمنطقة الفلاندرز، إن لم يكن الاستقلال، ويريدون إنهاء صورة بلجيكا المفتوحة أمام الهجرة. "فقط بهذه الطريقة يمكن لحزب التحالف الفلاماني الحفاظ على مرتبته كأول حزب في بلجيكا. وبالتالي يفرض على الأحزاب الأخرى جدول أعمال للإصلاح السابع للدولة من المحتمل أن يرضي المتشددين الفلامانيين"، بحسب فانسون جيوريس.

مواجهة فعلية
خلال اجتماع غير عادي لمجلس الوزراء البلجيكي، يوم الإثنين الماضي، حاولت الأحزاب الأربعة في الائتلاف الحاكم مرة أخرى إيجاد حل وسط حول ميثاق الأمم المتحدة حول الهجرة. ومرة أخرى، كرّر حزب التحالف الفلاماني، عبر وزير الداخلية يان جامبون، معارضته للنص. كما كان رئيس الحزب بارت دي ويفر، قد أعلن في السابق أن "الحكومة التي تذهب إلى مراكش لا تحظى بدعم حزب التحالف الفلاماني".
وقام رئيس الوزراء مساء الثلاثاء بتوجيه الاتهام بشكل مباشر إلى حزب التحالف الفلاماني بأنه مسؤول عن الأزمة التي تهدد الحكومة منذ أسابيع. "كما تمكن ميشال أيضاً من تحويل الملف لصالحه، عندما قرّر أنه سيتوجه إلى المغرب، وتقديم طلب إلى البرلمان، باعتباره بيت الديمقراطية، للتعبير عن موقفه تجاه الميثاق في جلسة عامة يوم الخميس"، بحسب ما يقول فانسون جيوريس لـ"العربي الجديد"، مضيفاً "من الواضح أن رئيس الحكومة يأمل في إيجاد أغلبية بديلة مواتية لاعتماد نص الأمم المتحدة. ونتيجة لذلك يمكن لحزب التحالف الفلاماني ترك الحكومة. وسيكون بالتالي قرار الحزب نفسه وليس قراراً جاء نتيجة موقف اتخذته الحكومة أدى إلى انسحاب أحد أعضائها تحت الضغط".


ومع بدء اجتماع اللجان البرلمانية المعنية أمس الأربعاء، قبل الدورة العامة اليوم الخميس، كشف حزب التحالف الفلاماني عن استراتيجيته. ففي معرض حديثه إلى وسائل الإعلام، أوضح رئيس المجموعة البرلمانية للحزب، بيتر دي روفر، أن حزبه سيصوّت ضد القرارات التي ستُطرح من حيث المبدأ للتصويت في الساعات المقبلة، لكن التحالف الفلاماني لن ينسحب من الحكومة، مشيراً إلى أن "قرار البرلمان شيء، وقرار الحكومة مسألة أخرى يجب أن تؤخذ بشكل جماعي بين الشركاء، وهذا هو المهم". وكرر دي روفر في أعقاب ذلك أن شارل ميشال لا يستطيع الذهاب إلى مراكش، الإثنين والثلاثاء، نيابة عن السلطة التنفيذية الفدرالية إذا لم يكن هناك إجماع داخل الحكومة.

خلاف يتوسع
ولا يقسم ميثاق الأمم المتحدة حول الهجرة بلجيكا فقط، بل مجموعة من بلدان الاتحاد الأوروبي المقبلة على انتخابات أوروبية مهمة، قد تطغى عليها مسألة الهجرة التي تستفيد منها الأحزاب الشعبوية. ويرى فانسون جيوريس أن "موقف حزب التحالف الفلاماني، وهو عضو في مجموعة المحافظين الأوروبيين، يعكس موقف الأحزاب الأوروبية الأخرى من اليمين المتشدد واليمين المتطرف، وكدليل على الطابع الأوروبي لهذه الأزمة، يُنتظر أن يستقبل البرلمان الفلاماني يوم السبت، رئيسة التجمع الوطني الفرنسي، مارين لوبان، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي سابقاً، ستيف بانون، لدعم موقف الحزب البلجيكي".

وأصبحت المعارضة للميثاق الأممي تكتسب الكثير من الأنصار في أوروبا. فالنمسا، التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، لن توقّع على الاتفاقية. فتحت ضغط من الشريك الحكومي اليميني المتطرف، قام المستشار النمساوي، سيباستيان كورتز، بإخراج بلاده من العملية يوم الأربعاء الماضي. أما إيطاليا، حيث توجد "رابطة الشمال" اليمينية المتشددة في الحكومة، فلن توقّع. وكذلك المجر وبولندا والتشيك وسلوفاكيا وبلغاريا. وكما هو الحال في بلجيكا، فقد شكّل الميثاق أزمة تطلبت نقاشات حادة في كل من سلوفينيا وكرواتيا، قبل أن تقررا التوقيع.

وقبل أيام قليلة من قمة مراكش حول ميثاق الهجرة، أطلقت المفوضية الأوروبية يوم الثلاثاء "دعوة أخيرة" للدول الأعضاء المعارضة لهذا الاتفاق. إذ دعا المفوض الأوروبي المكلف بملف الهجرة، ديمتريس أفراموبولوس، "الدول التي لم توافق على الميثاق، لإعادة النظر في موقفها، فهو في مصلحة أوروبا وجميع الدول الأخرى المعنية بهذه الهجرات". وأضاف "أن هذا النص هو مجموعة من الأحكام التي لا تهدف إلى زيادة تدفقات الهجرة، كما يحب بعض الناس الترديد، ولكن إلى محاربة وتخفيض تدفقات الهجرة غير القانونية". بالنسبة لبلجيكا، ساعات قليلة ستبرز إن كانت الحكومة البلجيكية ستصمد، أو ستسقط بسبب ميثاق الأمم المتحدة حول الهجرة.

دلالات

المساهمون