الحق الضائع بعد "غزوة الموصل"

الحق الضائع بعد "غزوة الموصل"

25 يونيو 2014
الصورة
+ الخط -

عراق الغد لن يشبه عراق الأمس، والآتي بعد "غزوة الموصل" لن يكون كالسابق عليها، فقد تغيرت أحوال، واستجدت ظروف، ونشأت حقائق جديدة على الأرض، وما عاد ممكناً إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وسوف تؤرخ الأحداث السياسية والاجتماعية المقبلة في العراق، استناداً إلى زمن ما قبل "الغزوة"، أو ما بعدها، فالغزوة ستكون الفاصل بين عهدين.
وبحسب سياسيين وكتاب عديدين، فإن الاحتمال الأقرب لما بعد "الغزوة" هو ذهاب العراق إلى التقسيم، إذ يرى رئيس حكومة إقليم كردستان، نجيرفان البرزاني، "أن من شبه المستحيل أن يعود العراق كما كان قبل أحداث الموصل" و "الحل يجب ألّا يكون عسكرياً، ويجب أن تقرر الطائفة السنية (مصيرها)، والنموذج الأفضل لها أن تقيم منطقة سنية، كما فعلنا في كردستان". واعتبر آخرون التقسيم واقع حال قائم، وشرعوا يقيمون الثروات، ويقيسون المساحات، ويحصون أعداد السكان. وقد ظل القوميون طوال أعمارهم يشكون من قسمة "سايكس بيكو" التي أحالت الوطن إلى أوطان، وهم يشعرون، اليوم، أن القسمة الجديدة ستكون أسوأ، وأشد وبالاً، ولذلك، بدأوا في قرارة أنفسهم يترحمون على السيدين سايكس وبيكو!


ويرى بعضهم أن اسم "العراق" لم يعد مقبولاً، فقد دخل عالمنا العربي عصر الحداثة، وآن أوان البحث عن أسماء جديدة، تنال الرضا والقبول مثل "سنستان" و"شيعستان"، أما المسيحيون والصابئة واليزيديون، فهم وحدهم يختارون أسماء ممالكهم!
"داعش" المخلوق الهجين الذي صنعته قوى دولية، دخل على الخط في لحظة فارقة، مؤسساً دولته على أرض الحدباء، ليصبح بعدها رقماً صعباً، يتنقل عبر الحدود والولايات، متنكراً حتى للذين تحالفوا معه، أو تحالف معهم، مهدداً إياهم بالويل والثبور، إذا ما تجرأوا، وكفوا عن موالاته، وملعونة هي السلطة التي تخرب العقول وتمسخ النفوس.
عشائر ومجموعات ظلمتها حكومات الاحتلال، ومارست ضدها تمييزاً طائفياً ومذهبياً، وسلبتها حقوقها، فلم تجد أمامها سوى ركوب المركب الخطر الذي يرفع الاحتقان إلى مدياته الأعلى، حيث تصطبغ الأرض بلون الدم!
تجار حروب ومهووسون بالسلطة، ولصوص محترفون، يضعون عيونهم على خلطة سياسية جديدة، تضعهم في الواجهة، لكي يواصلوا نَهْبَهم وسَحْتهم الحرام.
 فتاوى تحرض على القتل، وتستبطن التطهير الطائفي، يصبح فيها الدفاع عن القبور أكبر وأعلى قيمة من الدفاع عن الوطن، وأخرى تحرم الجَمال، وتمنع الموسيقى، وتدمر آيات الفن، وتغتال رموز الشعر والقلم، وتنشر الرايات السود، مؤذنة بولادة عصرٍ عراقيٍّ جديد، أشد ظلاماً من كل العصور!
هكذا، إذن، وفي لحظة فارقة، هي الأخرى، يتم تجاهل تاريخ الشعوب والأمم، وجغرافية الأمصار والأقطار، ويجري التخلي عن أشياء أغرقنا العالم العربي بها عقوداً، أسميناها "مبادئ" و"أيديولوجيات" أخذت طريقها إلى المتاحف.
هكذا، إذن، لم تعد ثمة "قضية مركزية" واحدة، يضعها السياسيون على أطراف ألسنتهم، ليشغلوا الناس بها، كلما أحاق بهم الخطر، فقد تناسلت قضايا مركزية عديدة، في كل مدينة من عالمنا العربي، وكفت مانشيتات الصحف وأخبار الفضائيات العاجلة عن ذكر قضية فلسطين التي دخلت في غياهب النسيان، واستوطنت إيران نصف العراق، وبعثت قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، ليكون صانعاً للملوك فيه، وأعلنت "داعش" ولاية نينوى، ووضعت لها دستورها، وتكفلت أميركا بالعمل على ترتيب أوضاع دولٍ دخلها "الربيع"، ثم انحسر عنها بقدرة قادر!
واكتشف السياسيون أن شعار "لاشيء يعلو فوق صوت المعركة" لم يعد صالحاً لهذا الزمن الموغل في الرداءة والسوء، فقد تعالت الأصوات، وتعددت المعارك، و"تكاثرت الضباع على خراش، فلا يدري خراش ما يصيد"، وقد أصبح كل شيء باطل الأباطيل وقبض الريح!
حتى الشعر والفن والفلسفة والغناء لم تعد لها أمكنة، فقد اغتالت داعش رموز الفكر والفلسفة والشعر والموسيقى في جنح الليل، أبو تمام الطائي السوري العراقي الذي كان منتصباً في منطقة باب الطوب في مدينة الموصل، وعزالدين بن الأثير، صاحب السفر المعروف "الكامل في التاريخ" الذي كان شاخصاً في (باب سنجار)، وسلطان الطرب الشهير زرياب الموصلي، وكنائس نينوى وآشور، وتكفلت دواعش الطرف الآخر قبلها باغتيال أبي جعفر المنصور، وكهرمانة، والجندي المجهول في عاصمة الخلافة العباسية، وأزيلت اللوحات الفنية قسراً، لتحل محلها صور المرجعيات وسدنة الظلام، وأحرقت حكايات "ألف ليلة وليلة"، وحرم الناس من سماع مقام النهاوند، وارتفعت أصوات المناحات الماثلة في كل شارع وزقاق، لتعيدنا إلى أكثر من ألف وأربعمئة عام.
هكذا، إذن، تتغير الدنيا في طرفة عين، وتتحول الممالك والولايات إلى ركام في ساعات، وحده نيرون ظل مكابراً رافضاً النزول عن عرشه، قبل أن يحرق بغداد!
نحن، إذن، مقبلون على زمن أكثر رداءة وسوءاً "زمن الحق الضائع، حيث لا يعرف مقتول من قاتله ومتى قتله، ورؤوس الناس على جثث الحيوانات، ورؤوس الحيوانات على جثث الناس"!
دعونا نتحسس رؤوسنا، إذن.