الحقائق والإجابات الغائبة في شهادة محمد المقريف

01 ابريل 2020
الصورة
"لست سياسيا".. ربما يختصر هذا القول للمعارض الليبي، محمد المقريف (1940)، عن نفسه، كل ما يمكن أن يقال عنه بعد شهادته على شاشة قناة الجزيرة، فكيف يمكن أن يقود شخص حزبا وله ذراع عسكرية، ومعسكرات للتدريب، ويملك سفن شحن، ويقيم علاقات مع حكومات وأجهزة مخابرات، بهدف إسقاط نظام سياسي، ثم يصف نفسه بأنه ليس سياسيا؟ الحقيقة أن الكاتب والمؤرخ والدبلوماسي، المقريف، ومن خلفه الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا التي قادها من العام 1983 إلى 2001 (تأسست في العام 1981)، اعتمد استراتيجية النضال بدل العمل السياسي، وقد كان يقدّم نفسه أنه يملك برنامج نضال، لا برنامج حكم. 
ربما حاول المقريف في هذا التوصيف تبرئة نفسه عن تحمّل الجزء الخاص به من المسؤولية في المرحلة التي كان فاعلا فيها من تاريخ ليبيا، معارضا أو مسؤولًا. وهو عندما يصف نفسه بأنه مناضل، وليس سياسيا، إنما يريد إيصال رسالةٍ أن السياسة ميدان غير نظيف أو غير بريء، على عكس النضال الذي يتصف بالقدسية والنزاهة، من حيث عدم البحث عن المكاسب، أو السعي للوصول إلى الحكم. وبالتالي يبرّر محمد المقريف أخطاء كثيرة وقع فيها، وعدم توفيقه على أكمل وجه في مسؤوليات تولاها، بمستنقع السياسة الذي لا يُحسن الاصطياد فيه، على عكس الآخرين الذين "خانوه أو حاربوه". ويمكن الاتفاق أو الاختلاف معه في هذا، غير أن تساؤلا يطل هنا: لماذا لم يترك المقريف العمل السياسي للسياسيين المحيطين به زمن المعارضة، بدل أن يمسك بزمام كل الأمور مع مجموعةٍ ضيقة؟ وكان يتمتع بالرفاهية، بينما كان قياديون في الجبهة يعملون سائقي تكسي أو بائعي ألبسة (إبراهيم صهد مثلا)، وهذا ما دفع عديدين إلى الانشقاق عنه، وهذا أمر لم يتطرّق إليه المقريف في أي من حلقات "شهادة على العصر"، والتي لم يبرّر فيها ترؤسه في العام 2012 (وقد عاد إلى ليبيا) المؤتمر الوطني العام، وهو الذي يرى نفسه مناضلا لا سياسيا. وجاءت الشهادة على شاشة "الجزيرة" طويلة جدا (17 حلقة)، وطغى عليها الحديث العام، بينما يفترض أن طبيعة البرنامج تتطلب بالضرورة ذكر الأحداث بتفاصيلها الدقيقة وبأسماء شخوصها. ولم تقدم الشهادة وثائق مهمة في مراحلها، على الرغم من مسيرة المقريف الطويلة والغزيرة بالأحداث والتفاصيل.
لطالما قدّم محمد المقريف نفسه لليبيين بمنطق الأبوة لا القائد، وينعكس ذلك في حديثه عن عدم الاحترام للكبير أو التراتبية الإدارية، وهو ما فوجئ به عند عودته إلى ليبيا بعد غياب ثلاثين
 عاما. ويؤخذ عليه في الشهادة تفضيله نفسه على آخرين كثيرين، معللا ذلك بنضاله الطويل والثبات على الموقف. ولا يُشكّ في ذلك، ولكن المقريف يعرف أن آخرين سبقوه بسنوات، منهم عمر المحيشي الذي قتله معمّر القذافي في العام 1983، بعد أن تسلّمه من الخارج، وكان عضوا في مجلس قيادة الثورة. وعبد الرحمن السويحلي وصالح جعودة اللذان أسسا، مع آخرين، حركة معارضة عام 1976 في لندن، بينما كان المقريف سفيرا لليبيا في الهند، وبقوا معارضين إلى حين سقوط القذافي.
يقرّ المقريف بجزء من المسؤولية في فتح أبواب الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا للعقيد خليفة حفتر، لما كان هذا أسيرا في تشاد في العام 1987، ومن ثم التمسّك به، على الرغم من تحذيراتٍ له في هذا الخصوص. وربما هذه أحد أكبر أخطاء مسيرة المقريف الذي لم يكن مقنعا في محاولات تبريره عدم اتخاذه قرارا بفصل حفتر مع اكتشاف عقده لقاءات سرية مع رجال القذافي. لا بل توضح إحدى الرسائل المرسلة من المقريف إلى حفتر، في بداية التسعينيات، شكل العلاقة بينهما وطبيعتها، إذ يصف المقريف حفتر بقائد الجيش الوطني، ويخاطبه بما يُفهم منه لوم وعتاب عن عدم تبريره (حفتر) لتغيبه عن إحدى اجتماعات الجبهة، وعدم رده على رسائل المقريف الذي يفترض أنه رئيس حفتر، بحسب التراتبية في قيادة الجبهة!
لم تتطرق الشهادة كذلك إلى مسؤولية المقريف عن الاختيارات السيئة للأشخاص حوله، وربما لا يوجد حزب معارض في ليبيا طاولته الانشقاقات كالجبهة الوطنية، لا بل عادت شخصيات بارزة فيها إلى القذافي، منهم يوسف شاكير الذي اتهمه المقريف بأخذ الأموال التي كانت تقدمها السعودية للجبهة، فيما كان الرجل يقول إن تلك الأموال كانت تُدفع له كونه ناشر صحيفة أم القرى التي كان يدعمها تركي الفيصل في مواجهة نفوذ بندر بن سلطان في الولايات المتحدة تلك الفترة، وربما يرد شاكير مستقبلا على هذه الشهادة. وعاد إلى ليبيا في زمن القذافي عديدون ممن اعتمد عليهم محمد المقريف في تحركاته وعلاقاته الدولية، وأبرزهم عبدالمنعم الهوني، الذي فتح باب واشنطن للمقريف، وكان على علاقة وثيقة بالمخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه).
وبشأن ترؤسه "المؤتمر الوطني العام" في ليبيا، في العام 2012، أسهب محمد المقريف في شهادته التلفزيونية في الحديث عن ظروف تسلمه هذا المنصب وملابساته، لكنه أغفل حقائق عديدة. ولا شك في أنه لولا أصوات الإسلاميين وبعض المستقلين لم يكن ليفوز بهذه الرئاسة في مواجهة علي زيدان، مرشح تحالف القوى الذي يترأسه محمود جبريل، والذي تم تكليفه لاحقا برئاسة الحكومة بعد صفقة بين حزب العدالة والبناء وتحالف محمود جبريل، وهما من ألد الأعداء سياسيا، ولم يسع المقريف إلى تعطيل ذلك، على الرغم من أنه وصف مرحلة زيدان رئيسا للحكومة بالكارثية، وهنا يتضح أن الأمور ليست مبدئية نضالية، بل براغماتية سياسية.
وفي ما يخص قانون العزل السياسي، والذي بموجبه غادر المقريف موقعه رئيسا للمؤتمر الوطني العام، مستقيلا في مايو/ أيار 2013، لم تأت الشهادة على كل جوانب المسألة، فالحقيقة أن 
القانون كان فكرة الإسلاميين، المعتدلين منهم والمتشدّدين. ولم يكن خافيًا سعيهم نحو السيطرة وإقصاء الآخرين، وبدا ذلك مبكرا في اجتماع لمجلس شورى حركة الإخوان المسلمين في شهر مايو/ أيار عام 2011 في بنغازي. وللأمانة التاريخية، كانت مجموعات أخرى، سياسية وعسكرية، تؤيد العزل السياسي بشدة، ولم يكن خافيًا حينها الصراع بين القوى الإسلامية وأخرى مستقلة من جهة وبين محمود جبريل وتحالف القوى الوطنية الذي كان يقوده، إذ كان جبريل حالة مثيرة للانتباه، فقد اتفق على كراهيته الأضداد في ليبيا، وجمعهم قاسم مشترك وحيد، وهو محاربته (كما يحدث اليوم بين قوى عديدة متضادة فيما بينها، ولكنها متفقة ضد خليفة حفتر). استطاع تحالف جبريل الحصول على أكبر نسبة من مقاعد المؤتمر الوطني العام، ومع ذلك فشل مرشحه في الفوز برئاسة المؤتمر، وفشل جبريل نفسه بالترشح لرئاسة الحكومة، بينما فاز مرشح تحالفه، علي زيدان، برئاستها لاحقا، في مفارقة غريبة، ولكن هذا الأمر مؤشّر إضافي على رفض قاطع لتسلمه أي منصب بأي شكل. وعلى الرغم من ذلك، بقي الرجل فاعلا سياسيا ومؤثرا في المشهد، وكان معروفا عنه سعيه إلى التعامل بنديّة كرجل دولة مع المسؤولين الذين يلتقيهم، وربما كان هذا سببا إضافيا لدعم بعض الحكومات لإقصائه. وهنا تعالت الأصوات المطالبة بتشريع قانون العزل السياسي، وطرح الأمر على محمد المقريف، وأبدى موافقته المبدئية عليه. هل كان ذلك ظنا منه بأن القانون لن يطاوله، ولم يخطر بباله أنه سينص على عزل كل من عمل في الدولة في نظام معمر القذافي منذ عام 1968؟ لم يجب عن هذا السؤال بوضوح، هذا يبقى حديث النيات وأسرار الأنفس. وعندما بدأ التجييش لإقرار القانون، فهم محمود جبريل أنه المستهدف الأول، وأن الإسلاميين، تدعمهم جهات خارجية، وراء ذلك، وربما دفعه ذلك إلى انعطافة في تحالفاته الدولية، جعلته ينتقل إلى معسكر أبوظبي لاحقا. وحين تيقن أنه لن يستطيع تعطيل مشروع القانون، بدّل استراتيجيته، وأصبح من أشد الداعمين له، مع إضافة بند ينص على عزل كل من عمل مع القذافي منذ عام 1969،مستهدفا بذلك المقريف الذي انشق عام 1980 عن النظام. في تلك الأثناء (العام 2013)، كان الشارع الليبي يغلي، ولم يستطع المقريف تعطيل القانون أو معارضته، ووضع أمام الأمر الواقع، وأخذت الأمور تخرج عن السيطرة، فأزاح القانون، أول من أزاح، المقريف وجبريل، وهما أبرز شخصيتين سياسيتين حينها.
.. أثارت شهادة السياسي والمؤرخ الليبي الدكتور محمد المقريف الطويلة أسئلة عديدة، بدل أن تجيب عليها. ولكن لا شك في أن الرجل يظل صاحب قضية، ويحسب له أنه بقي ثابتا على موقفه المناهض للقذافي، على الرغم من كل الأحداث التي مرّ بها، كما يحسب له حرصه على عدم التسبب بإراقة نقطة دم ليبية واحدة، والشواهد كثيرة على ذلك فترة ترؤسه المؤتمر الوطني العام، ولكن مآلات الأحداث في ليبيا والدماء الغزيرة التي سالت وما زالت تسيل ربما تثير تساؤلاتٍ إضافية بشأن أدائه في تلك المرحلة، وقدرته على اتخاذ مواقف حاسمة، ربما كانت ستسيل فيها بعض الدماء، ولكن هل كانت بغزارة الدماء التي تسيل منذ ست سنوات؟