الحصار يمنع أطفال غزة من التمتّع ببحرها

الحصار يمنع أطفال غزة من التمتّع ببحرها

25 مايو 2014
الصورة
تفرض إسرائيل حصاراً خانقاً على غزة (سعيد خطيب/فرنس برس/Getty)
+ الخط -


يقضي أطفال غزة إجازتهم الصيفية تحت أشعة الشمس الحارقة التي تركت بصمتها على بشرتهم، بحثا عن بضعة "شواكل" (العملة الإسرائيلية) تسد حاجات عوائلهم الفقيرة، في ظل حصار أثقل كاهلهم، وقضى على أبسط أحلامهم.

ويعج بحر غزة في صيف كل عام بعشرات الأطفال ممن هم دون الخامسة عشرة، ينتشرون باعةً جائلين، يقطعون حديثك العائلي ليعرضوا بضاعتهم المختلفة. وأعداد هؤلاء الأطفال في تزايد نظراً لسوء الأوضاع الاقتصادية. يبيعون الذرة المسلوقة، والمرطبات، والسندويتشات، وأدوات البحر، والملابس ليحصلوا في نهاية يوم عملهم المرهق على بضعة "شواكل".

ويسارع أطفال غزة مع انتهاء امتحاناتهم النهائية إلى شاطئ البحر للعمل، والبحث عن لقمة العيش بدلا من التنزه والاستجمام.

أنهى الطالب في الصف السادس الابتدائي محمد عجور، قبل أيام عامه الدراسي ليبدأ الإجازة الصيفية بالعمل بائعاً جائلاً لمساعدة أسرته الفقيرة، مثله مثل المئات من أطفال قطاع غزة المحاصر.

يعلق عجور صندوقاً خشبياً على رقبته، يضع فيه بضاعته ليبدأ يوماً من العمل يستمر من التاسعة صباحاً حتى مغيب الشمس، وهو يسير على قدميه لبيع ما لديه للمصطافين على شاطئ البحر.

يقول: "إن عملي على شاطئ البحر يستمر حتى بداية العام الدراسي الجديد، وطيلة هذه الفترة لا أستطيع أن ألعب أو أسبح مثل غيري من الأطفال".

يشرح عجور، وهو من سكان مخيّم الشاطئ غربي مدينة غزة، أن والده مريض وعاطل من العمل منذ سنوات، وأسرته تتكون من خمسة أفراد، مؤكدا أن الإجازة الصيفية ومدتها ثلاثة أشهر تعتبر فرصة له لمساعدة أسرته التي تعتمد على المساعدات من "وكالة الغوث" وبعض المؤسسات الخيرية.

وقد بدت علامات التعب والإرهاق واضحة على وجه الطفل صاحب الجسد النحيل من كثرة السير على رمال البحر وتحت أشعة الشمس الحارقة. يقول عجور إن "كثرة الباعة الجائلين قلّل عائد الربح الذي يحصل عليه مقارنة مع السنوات السابقة".

أحلام بعيدة

يجد طلاب المدارس الذين أنهوا عامهم الدراسي، قبل أيام قليلة، في موسم الصيف على شاطئ بحر غزة، فرصة مناسبة لهم لتوفير فرص عمل مؤقتة لتأمين مصدر عيش يقتاتون منه ويساعدون عائلاتهم، نظرا لوجود أعداد كبيرة من المواطنين، وخاصة الأطفال صغار السن الذين يرتادون هذه الأماكن في الصيف.

يرى الفتى صالح أبوستّة (16 عاما) في بدء العطلة المدرسية فرصة متاحة لبيع العصائر وألعاب الأطفال على شاطئ البحر. يشرح أنه يخرج من بيته في صباح كل يوم ويعود في ساعة متأخرة من الليل. وقد ينام أحياناً على شاطئ البحر، وخاصة يومي الخميس والجمعة، حيث تزداد أعداد المصطافين على الشاطئ بشكل كبير وبالأخص في فترة المساء، وفق ما يصف.

يقول الفتى، الذي يضع على رأسه قبعة سوداء تقيه حرارة الشمس، لـ"العربي الجديد" إنه يقوم ببيع العصائر على شاطئ بحر مدينة غزة منذ أربع سنوات، لكنه لجأ إلى بيع ألعاب الأطفال هذا العام بسبب ارتفاع أعداد بائعي العصائر في المكان، شارحاً أن أعداد البائعين كان في الأعوام السابقة لا يتجاوز العشرات، في حين وصل تعدادهم في العام الحالي إلى المئات.

ويوضح أبوستّة، الذي يحمل على ظهره مجموعة كبيرة من ألعاب الأطفال، أن ما دفعه للعمل في هذه السن سدّ رمق أسرته المكونة من سبعة أشخاص ومساعدتها على تلبية متطلباتها الأساسية.

يحلم أبو ستة دائما بألا يحمل يوماً الألعاب على ظهره لبيعها في الإجازة الصيفية وأن يلهو مع والده في مياه البحر، يرشقه بالمياه بينما يحمله والده بين الأمواج لكي يعلّمه السباحة.

لكن يبدو أن حلم أبو ستة بعيد المنال كون والده كسيحاً بسبب مرض أصاب عموده الفقري، علاوة على حالة الفقر المدقع التي تعانيها الأسرة بسبب الحصار.

تجدر الإشارة إلى عدم وجود أية إحصائية لعدد الأطفال الذين يعملون باعة جائلين نظرا لعدم إدراجهم تحت بند "العمال" وعدم تسجيلهم في الدوائر الرسمية، ناهيك عن أن بعضهم يخشى الإفصاح عن اسمه لأسباب خاصة. وأبرز هذه الأسباب الخوف من نظرة المجتمع إلى ذوي من يعمل من الأطفال، إضافة إلى أن عملهم يكون غالبا في فترة الإجازة الصيفية وغير ملزم بساعات عمل وأيام محددة.

انعدام الخيارات

حاولت "العربي الجديد" التواصل مع عدد من ذوي الأطفال الباعة على شاطئ البحر، ومن بينهم التقت والد الطفل أحمد منصور (سبعة أعوام).

يؤكد الوالد أنه عاطل من العمل منذ خمس سنوات تقريباً، الأمر الذي يضطره إلى إرسال أبنائه للعمل باعة جائلين، ويقوم بالإشراف عليهم وتوجيههم نظراً لصغر سنهم، وخوفه عليهم من مكروه قد يصيبهم.

يقول: "توقفت عن العمل بعد قصف الاحتلال الإسرائيلي لورشة الحدادة التي كنت أعمل بها وكانت تشكل مصدر الدخل الوحيد لأسرتي"، مضيفا أنه قام بإجراء عملية في القلب ويعاني الضغط والسكري ولا يستطيع العمل أو بذل أي جهد، الأمر الذي يجبره على إرسال أبنائه للبيع في أماكن متفرقة بحثا عن لقمة العيش.

يتابع: "أشعر بالحسرة على أبنائي لأنهم يقضون إجازتهم في العمل على الرغم من صغر سنهم، لكن لا خيار أمامي سوى ذلك، وإلا سنضطر لمد أيدينا للناس".

ويعتبر شاطئ البحر المتنفس الطبيعي الوحيد لأهالي القطاع، الذين يهربون إليه لغسل أوجاعهم وهمومهم.

وتفرض إسرائيل حصاراً خانقاً على قطاع غزة منذ فوز حركة "حماس" في الانتخابات التشريعية مطلع عام 2006، وشددته في أعقاب سيطرة الحركة على القطاع في عام 2007.

ويعيش قرابة مليوني شخص في غزة واقعاً اقتصادياً وإنسانياً صعباً، في ظل تشديد الحصار الإسرائيلي المتزامن مع إغلاق الأنفاق الحدودية من قبل السلطات المصرية.

 وتوقف نحو 170 ألف عامل يعيلون نحو 615 ألف نسمة عن العمل، جراء تشديد الحصار الإسرائيلي، وفق "اتحاد العمال" في غزة.

ووصلت معدلات البطالة في قطاع غزة، وفق وزارة الاقتصاد المقالة إلى نحو 39 في المئة. غير أن مؤسسات حقوقية وشعبية تؤكد أن عام 2014 سيشهد ارتفاعا لنسب البطالة بحيث تتجاوز الخمسين في المئة.