الحريق يلتهم سورية

11 سبتمبر 2020
الصورة

سورية تأكلها الحرائق. لم تعد جملة "نحرق البلد" متعلقة بالسياسة والانقسامات التي حصلت بعد الثورة فقط، بل أصبحت، منذ سنتين أو أكثر، جملة حقيقية لا علاقة لها بالمجاز، فسورية تحترق فعلا. النار تشتعل في غاباتها وجبالها وحقولها، وتأكل، حرفيا، الأخضر واليابس. يقول الأصدقاء في المناطق القريبة من الحرائق إن النار تكاد تصل إلى بيوتهم، ولا تكتفي بالأشجار والأحراش ومواسم القمح والزيتون وغيره. النار كما لو أنها لا تشبع وتطلب المزيد، كما لو أنها تريد أن تختبر رائحة حرق كل شيء. كيف هي، يا تُرى، رائحة حرق المنازل الحجرية؟ وتلك المصنوعة من التراب التي لا تزال قائمة في الريف السوري الفقير؟ كيف هي رائحة حرق البشر، هل جلد النساء المحترق تختلف رائحته عن جلد الرجال؟ وماذا عن الأطفال؟ ماذا عن العجائز؟ يبدو الوصف هنا قاسيا، كما لو أن صاحبته تملك خيالا ساديا.
ولكن هل من سوري، بعد ما يقارب عشر سنوات من القتل المستمر والموت المتنقل، وتجريب فنون نادرة من التعذيب والقهر، بقي محافظا على خيال معافى وصحي وخالٍ من كل الأمراض التي وصفها علم النفس؟ مات السوريون قنصا. وماتوا ببراميل متفجّرة، وهذه اختراع سوري محض. وماتوا ذبحا. ماتوا غرقا في البحار. ونهشتهم حيوانات الغابات حتى الموت، وهم يحاولون النجاة. ماتوا في السجون والمعتقلات. ماتوا من الجوع والعطش، حرفيا. ماتوا من التشرّد. ماتوا انتحارا. ماتوا بكل أنواع الأمراض، ماتوا من القهر واليأس. ماتوا من الغضب والخذلان والتخلي. ماتوا بكل أسباب الموت الممكنة. ماتوا فرادى وماتوا جماعات. عائلات بأكملها ماتت مجتمعة، قرى لم يبق فيها رجال. ماتوا جميعا في الحرب. أجيال من الشباب كان يفترض أنهم مستقبل سورية لم يبق منهم أحد. قتلتهم الحرب وقتلتهم السياسة، وقتلهم تحالف الأنظمة في العالم ضد أحلامهم. كان موت السوريين دائما بفعل فاعل، ثمّة مسبب أول لكل هذا الموت، نظام سياسي يتصف بكل صفات الإجرام، هو وراء موت الجميع!
سنحكي دائما وأبدا عن المسبب الأول، مهما كره الكارهون، ومهما حاولوا التحويل نحو النتائج وتعداد مجرمي الحرب. ثمّة مجرمون كثر ظهروا في السنوات العشر السابقة، لكنهم نتائج مسبب وحيد، بدأ في قتل السوريين منذ زمن طويل، قتل مدنيتهم، وقتل تنوعهم، وقتل تسامحهم، وقتل وطنيتهم، وقتل تفرّدهم. قتل كل ما يمكن أن يجعل منهم شعبا حقيقيا حريصا على أرضه ووطنه وحاضره ومستقبله وماضيه، لا على نظامه السياسي ولا على طائفته وقبيلته وعائلته.
سورية تأكلها الحرائق الحقيقية منذ سنتين، بعد أن احترقت كلها بفعل فاعل. ها هي الطبيعة تحتج. مشهد النيران، تمتد في الحقول المزروعة والجبال الخضراء والوديان الحرجية، فيما أخبار عن استحالة العيش بسبب الغلاء والفساد والفيروس، يجعل السوريين بين خيارين وحيدين، الموت قهرا أو انتحارا بفعل العجز، أو إشاحة النظر عما يحدث ومحاولات إلهاء النفس بأشياء تافهة لا معنى لها، بلا أي قيمة ولا أي معنى، إذ سيحيل المعنى السوري مباشرة إلى النقطة الرئيسية، إلى سورية وما يحدث فيها، إلى القهر والعجز والغضب والحقد، الحقد الذي يربّي خيالات سادية ومريضة. وهو ما أرادوه لنا منذ البداية، أن يربوا الحقد فينا، كي نصبح جميعا مثلهم، كي نصبح ساديين، أو كي نعتاد على القتل والموت والدم والأشلاء والدمار، بحيث يصيبنا عدم الاكتراث تجاه كل ما يحدث: القتل والاعتقال والتدمير وبيع البلد والتحالفات المشبوهة والاحتلالات وفقدان السيادة الوطنية (مفردة وطنية مثيرة للسخرية والمرارة في الوقت نفسه).
سورية تأكلها الحرائق فعلا. والنظام اخترع طريقة جديدة ليمنع السوريين من العودة إلى وطنهم: على كل سوري راغب بالعودة أن يدفع مائة دولار (أميركا تتآمر على سورية ونظامها حسب الخطاب الممانع)، إن لم يدفعها في المطار فسوف يعود من حيث أتى، وإن لم يدفعها على الحدود السورية اللبنانية (الحدود الوحيدة المتاحة للعودة)، فسوف يعود إلى لبنان، ولبنان لا يستقبل سوريين لم تدخلهم بلادهم إليها. لا بأس سيعيشون في المنطقة الحدودية بين البلدين، حتى يتمكّنوا من دفع المائة دولار، سيعيشون "عالقين" في العراء، وهذا اسم جديد يضاف لأسماء السوريين المنكوبين: عالقون.
حاولت فتاة "عالقة" الدخول إلى سورية بطريقة غير شرعية، فماتت من الحر في الأحراش بين البلدين، وتم نقل جثتها إلى لبنان، حتى جثث السوريين ممنوع دخولها إلى سورية بلا مائة دولار. سورية تحترق وتنتهي.