الحرب في سورية والقمة العربية

الحرب في سورية والقمة العربية

26 ابريل 2018
+ الخط -
يبدو أن شهر إبريل/ نيسان الجاري سوري بامتياز، في ما يتعلق بأحوال الحرب، والضرب، والتمزق، والتقسيم. وهو شهر عربي بامتياز، ولكن فيما يتعلق بأحوال السلم، والتطبيع، عبر جولات الساسة وصفقاتهم المليارية، ولقاء قمة التوافق والتشاور، ومن ثم بيانات التنديد، والشجب، والتأييد، مع كرم الضيافة البدوي المعهود.
نبدأ بالحرب في بر سورية، والحرب هناك على جبهات متعددة، وأطرافها كُثر. مع بداية الشهر، أعلنت تركيا تحقيق أهدافها من عمليتها العسكرية التي أطلقت عليها اسم "غصن الزيتون"، بفرض كامل سيطرتها على منطقة عفرين، شمال غرب سورية، بعد هزيمة التنظيمات الكردية المسلحة التى تضم "قوات سورية الديمقراطية"، ووحدات حماية الشعب الكردية، وتلك العملية العسكرية التى قامت بها تركيا، وامتدت عدة أشهر، تمت في ظل صمت، وتغاضٍ تام، من كل الأطراف على الساحة، وأيضاً عدم اعتراض إسرائيلي. وكانت عملية استخلاص الغوطة الشرقية من الجماعات المسلحة، سواء الممثلة للمعارضة السورية، أو الجماعات الوافدة، قد بدأت بقوات مشتركة روسية – سورية. وكما هي العادة، لم تُفَرِّق صواريخ القوات المشتركة، وقذائفها، وبراميلها المتفجرة، بين المسلحين والمدنيين. وكما هي العادة أيضا، سقط مئاتٌ من الضحايا من كل الأعمار، ولم يحرك العالم (الحر) ساكناً.
حتى كان يوم السابع من أبريل/ نيسان الجاري، عندما قصف بشار، وكالعادة أيضاً، منطقة مدنية، بأسلحته الكيميائية، وسقط قرابة 70 ضحية من بينهم أطفال، وانتشرت صور بشعة للضحايا على نطاق واسع في كل وسائل التواصل الاجتماعي. هنا تحرك ضمير العالم (الحر) أميركا وبريطانيا وفرنسا، وبعد مناورات سياسية لبضعة أيام، وجّه الثلاثة ضرباتٍ صاروخيةً، فجرية، أي عند الفجر بتوقيت شرق المتوسط، ضد أهداف سورية غامضة، أكثر من مائة 
صاروخ، ثم صدرت بياناتٌ تقول إن الضربات حققت أهدافها بنجاح تام، من دون الإشارة إلى طبيعة الأهداف التي تم ضربها، أو إلى ما أحدثته الضربات من خسائر. المهم التزم الجميع بعدها الهدوء، مع بعض التصريحات لحفظ ماء الوجه من مختلف الأطراف، وغيرت غرف الأخبار في الفضائيات بوصلتها تجاه كل من تل أبيب وطهران، حيث بدأت بوادر حربٍ صغيرةٍ بين البلدين، ساحتها الأرض السورية، ثم بعد تصريحات متبادلة بالتدمير الشامل من كلا الطرفين، هدأت الأمور أيضا.
وتستمر الحرب في سورية، وبعد كل تلك الأحداث الأبريلية، يقول وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يوم 20 أبريل/ نيسان الجاري، "يبدو أن سورية فى طريقها إلى التقسيم"، وهو نفسه الذي كان يُصر في كل تصريحاته، وكذا تصريحات رئيسه القيصر الجديد بوتين، إن القوات الروسية دخلت سورية للحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسلامتها.
وبشأن القمة العربية، وما سبقها وما لحقها من أحداث هي التاسعة والعشرون، وكان مقرّرا عقدها في مارس/ آذار الماضي، طبقا للجدول الزمنى المحدد مسبقا، ولكن الدولة المضيفة، العربية السعودية، بالتنسيق مع أمانة جامعة الدول العربية، تأجيل القمة إلى إبريل. وسبقها إعلان إعادة انتخاب الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، للولاية الثانية، وجولة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلى مصر وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا. وأسفرت زيارته القاهرة عن تخصيص ألف كلم مربع على ساحل البحر الأحمر، يضمها إلى مشروعه العملاق "نيوم"، واستثمارات سعودية في مصر، تصل ما بين 10 و12 مليار دولار على مراحل. وفي زيارة ولي العهد لبريطانيا، وبعد الحفاوة الملكية البالغة به، أسفرت الزيارة عن صفقات عسكرية ومدنية، ثم كانت الزيارة الرئيسية للولايات المتحدة الأميركية، ولقاء الإمبراطور الجديد، ترامب، والذي ذكّر ولي العهد بما تم عقده من صفقات خلال زيارته المشهودة الرياض فى مايو/ أيار من العام الفائت، والتي اقتربت من نصف تريليون دولار، وأنه جارٍ تنفيذها، وذلك على لوحة بالرسوم التوضيحية الملونة، وأنه في انتظار المزيد، فلدى السعودية أموال كثيرة وللإمبراطور نصيب فيها، لتوفير ملايين فرص العمل للمواطنين الأميركان. وقد كان، ولم يخيب ولي العهد السعودي ظن ترامب، وانهالت الصفقات من جديد لتقترب من 400 مليار دولار.
وبعد أن أكمل محمد بن سلمان جولته في أنحاء أميركا، وقابل من قابل من شخصياتٍ لها تاريخ سياسي، وعسكري، فيما يتعلق بما جرى ويجري في منطقتنا العربية، من فلسطين إلى العراق وسورية وليبيا واليمن.. وغيرها، ربما ليستقل منهم بالخبرة، ثم كانت زيارات فرنسا وإسبانيا، وكان لكل منهما نصيبٌ من فيض الخير السعودي، وإن قل بعض الشيء، لفرنسا نصيبها كان أقل من 20 مليار دولار قليلا، وإسبانيا أقل من ثلاثة مليارات من البترودولارات السعودية، وعاد الأمير إلى بلاده ليشرف على الترتيبات النهائية للقمة.
لم تتم زيارة ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، التي كانت معلنة إلى أميركا، وسبق الإعلان عنها، وذلك لأسباب غير معلنة. وقام أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بزيارته المقرّرة لأميركا، ولقى ترحيبا واستقبالا حارين، في البيت الأبيض. وتربط قطر بأميركا علاقات تحالف عسكرى إستراتيجي، وعلى أرضها أهم قاعدة عسكرية لأميركا (العيديد).
قبل أن يلتئم شمل القادة، وممثلي من لم يحضر منهم، فى قمة الظهران، كانت قد وقعت أحداث
سورية، سواء عملية غصن الزيتون التركية فى عفرين، أو عمليات نظام الأسد بالدعم الروسى فى الغوطة الشرقية، والتي كان ختامها استخدام السلاح الكيميائي ضد المدنيين. ثم وقعت الضربة العسكرية الثلاثية، الأميركية البريطانية الفرنسية، ضد الأهداف الغامضة لنظام الأسد. وأعلنت كل من قطر والسعودية والإمارات والبحرين والكويت تأييدها هذه الضربة بشكل مطلق. وهكذا أغلق الباب أمام طرح هذا الأمر على القمة، وهو ما جرى بالفعل، ولكن أيا من هذه الدول أو غيرها لم يُشر إلى عملية غصن الزيتون التركية، وهكذا تم إفساح المجال للتنديد بتركيا وعملياتها العسكرية في عفرين، فى بيان القمة.
انتهت القمة العربية، كما انتهت قمم عربية كثيرة قبلها، وعادت عجلة الحياة العربية إلى دورانها كما تشاء لها القوى المحرّكة، وهي قوى غير عربية. وضاعت وسط ضجيج ذلك الدوران صرخات الشعوب العربية.. فى سورية، حيث الاقتتال، والتمزق، والتقسيم على الأبواب. وفى اليمن، حيث الملايين تشكو المرض والجوع، وهو على حافة كارثة إنسانية حقيقية، جرّاء الحرب الطاحنة على أرضه، وأيضاً في طريقه إلى التمزق. وفي ليبيا صراع الغرب والشرق والجنوب، ومن يساند الجنرال خليفة حفتر الذي حجبه المرض، ويُبحث له عن بديل، ومن يدعم حكومة طرابلس، والطريق إلى التقسيم واضح أيضاً.
القائمة طويلة، تمتد حتى تصل إلى القضية الوجودية، وهي قضية فلسطين، فتصفيتها بصفقة القرن أو كل القرون ستكون المعول الأخير فى كيان أمةٍ، كانت تعرف بأمة العرب، بينما تصل إلينا صرخات أبناء الشعب الفلسطينى على امتداد الحاجز الأمني الإسرائيلي، وهم في مسيرات العودة، وكأنها النداء الأخير، لإنقاذ الأمة، فهل من مستجيب؟