الحرب على سيناء(2/3)..انتعاش الإرهاب في ظل حظر التجول

05 يناير 2015
الصورة
+ الخط -

كانت عقارب الساعة تقترب من الخامسة إلا عشر دقائق، بينما كان طبيب الأسنان الشاب أحمد حسان في طريقه إلى البيت، يقود سيارته، وإلى جواره والده الأكاديمي حسان أبو شيخه، بالقرب من حاجز "الماسورة" العسكري في مدخل مدينة رفح المصرية شمال شرقي سيناء. سمعا دوي إطلاق رصاص متلاحق من قوة الحاجز العسكري. توقّف أحمد على الفور، إلا أن رصاصات الجنود اخترقت عنقه ورأسه، وأصابت أخرى كتف والده.

بعد الحادث أعلنت قوات الجيش، في بلاغ رسمي، أن المذكور أحمد حسان اخترق حظر التجوال، ولم يمتثل لأمر القوات بالتوقّف، ما اضطرها إلى إطلاق النار على السيارة، وهو ما رآه حسان أبو شيخه والد المغدور "أخف وطأة من الاتهام بمحاولة اقتحام الحاجز العسكري".

الحياة في زمن الحظر

توقفت الحياة تماماً، منذ أن فرضت قوات الجيش المصري حظراً للتجول، يبدأ في الساعة الخامسة مساءً حتى السابعة صباحاً، بناءً على قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي، بدءاً من فجر السبت 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في مدن الشيخ زويد ورفح، والعريش عاصمة شمال سيناء. صنوف معاناة الأهالي متنوّعة، فمواكب المدرعات دائماً ما تجوب الشوارع.

بين ليلة وأخرى تتعالى أصوات الانفجارات، بينما المواطنون يتوارون خلف جدران منازلهم. تزدحم الطرق الرئيسية يومياً بالسيارات التي لا تستطيع الوصول إلى وجهتها عند حلول فترة الحظر، يعاني أصحابها، بينما يلزم المواطنون منازلهم، وتتحول المدن السيناوية الثلاث؛ الشيخ زويد ورفح والعريش، إلى مدن أشباح على مدى 14 ساعةً متواصلة بصفة يومية.

خلال جولة "العربي الجديد" في منطقة الحظر رصدت صدور مرسومٍ إداري من مستشفى الشيخ زويد بمنع سيارات الإسعاف من التحرّك من المستشفى الذي يخدم قرابة 35 ألف شخص في المنطقة الحدودية عقب الساعة الخامسة مساءً، وحتى الساعة السابعة صباحاً، إذ تم التنبيه على المواطنين بعدم الاتصال لطلب الإسعاف خلال الفترة المذكورة، ما أسفر عن انتشار حالة السخط والغضب في أوساط المواطنين، وخصوصاً من يعانون من أزمات وأمراض مزمنة، من بينهم زوجة ناصر عبيد الرياشات الذي قال لـ "العربي الجديد" أصيبت زوجتي بنوبة قلبية استدعت نقلها إلى مستشفى الشيخ زويد، لوضعها على جهاز التنفس الصناعي.

ظروف حظر التجول منعتني من نقلها بسيارتي إلى المستشفى، وفي ظلّ قرار عدم خروج سيارات الإسعاف من مستشفى الشيخ زويد بعد الخامسة، فشلت كل محاولات إفاقة وإنقاذ زوجتي التي لم تتجاوز 26 عاماً، ولفظت أنفاسها بين يدي".

يبدي الناشط السياسي حجاج محمد اعتراضه على ساعات حظر التجول الطويلة، لما تُسبّبه من منع الكثير من العاملين، في مختلف المجالات، من مباشرة أعمالهم ليلاً، ويرى خالد عرفات، أمين حزب الكرامة، أن إدخال العريش، عاصمة المحافظة، في حظر التجول غير مبرّر، وأنه يضيّق على السكان لا على الإرهابيين، فيما وصف الدكتور حسام رفاعي نقيب الصيادلة بشمال سيناء ساعات الحظر الـ14، بأنها عقاب جماعي.

عقوبة خرق الحظر

يؤكّد المحامي أمين القصاص، نقيب المحامين في شمال سيناء، أن عقوبة خرق حظر التجول تصل إلى الحبس ثلاث سنوات، والسجن المشدّد في حالة الإدانة، وتختصّ محاكم أمن الدولة العليا طوارئ بالفصل فيها. وهذا ما وقع مع طلاب في المرحلة الإعدادية، يلعبون كرة القدم أمام منازلهم بعد الساعة الخامسة في منطقة حي أبي صقل شرق جسر الوادي بالعريش. هاجمتهم قوات الجيش وألقت القبض عليهم، وتمّت إحالتهم للنيابة التي قررت حبسهم أربعة أيام على ذمة التحقيق، ومن ثم جُدّد حبسهم 15 يوما مع مراعاة العرض على النيابة.

يتساءل المحامي سعيد القصاص، رئيس حركة ثوار سيناء، عن جدوى الحظر وعقوبة خرقه إن لم يستطع كبح جماح العمليات الإرهابية ضد قوات الجيش والشرطة. وبغضب شديد قال حسام المالح: "الحظر مالوش آخر بصراحة سئمنا أن نظل نعيش هكذا باستمرار"، ويحمّل الناشط خالد الجندي (الحزب العربي للعدل والمساواة) الحظرَ مسؤولية القضاء على الحياة الاجتماعية في سيناء، مطالباً بتعديل مواعيده، وإزالة السواتر الترابية وفتح الطرق و"الكباري" المُغلقة، ويطالب الناشط السياسي وائل سليم بوقف إطلاق النار العشوائي، بالإضافة إلى وقف الحملات الإعلامية المضادّة لأبناء سيناء.

وتابع بغضب: "يحبسوننا مثل الفئران. يعطّلون مصالح، ويتسبّبون في ضيق نفسي وعصبي. لدينا حالات مرضية وخطرة تحتاج إلى عناية ورعاية ومستشفيات، في المقابل لا توجد أي نتيجة إيجابية، لا الإرهاب توقّف، ولا الجيش سيطر على الأوضاع ومنع التفجيرات، يبدو أنهم يريدون تحويل أهالي سيناء إلى إرهابيين".

فشل الحظر في مواجهة الإرهاب

فشل حظر التجوال في منع مهاجمة الجماعات الجهادية قوات الجيش والشرطة، حسبما يهدف القرار الرئاسي، كما أكد شهود عيان من سكان مدينة العريش، إذ وثّقت "العربي الجديد" تنفيذ "الإرهابيين"، خلال الأسبوع الأول من فرض حظر التجول، هجومين؛ استهدف الأول مدرّعة للجيش على طريق مطار العريش، وأسفر عن مقتل جنديين وإصابة خمسة آخرين، فيما استهدف الهجوم الثاني بقذائف هاون مبنى ديوان محافظة شمال سيناء، إلا أن القذيفة سقطت وسط مربع أمني، وأصابت منزل أحد المواطنين، وأحرقت غرفة كاملة داخله.

وانفجرت سيارة مفخخة، منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني، بالقرب من برج سكني بالعريش يقع على الطريق الساحلي، ما أسفر عن إصابة 10 أشخاص اخترقت الشظايا بيوتهم بعد تطاير النوافذ والأبواب، ودمرت خمسة محال تجارية وصيدلية وعدة شاليهات تبعد عن موقع التفجير قرابة 15 متراً.

سوسن حجاب رئيس جمعية حقوق المرأة السيناوية، تؤكّد فشل الحظر قائلة "مصادرة الحريات تحت مزاعم مواجهة الإرهاب مأساة حقيقية يعيشها شعب سيناء، بينما نحن داخل بيوتنا ملتزمون بالحظر تحدث التفجيرات وتتطاير الشظايا إلى البيوت، وتصيب المواطنين وتدمر محلاتهم ومنازلهم".

وتتابع "السيسي اتخذ قراراً أحادياً بإغلاق بيوتنا، بدءاً من الساعة الخامسة حتى السابعة صباحاً، دون أن يناقشنا أو يستمع إلينا، كان لا بد من إجراء حوار مجتمعي قبل اتخاذ أي قرار هام ومصيري مثل حظر التجوال، ولا بد من الإفراج عن المقبوض عليهم بسبب خرق الحظر؛ كلهم من الطلاب والشباب الصغار السن".

خسائر اقتصادية

يوضح نقيب التجار بالعريش، التاجر جواد موسى، أن الحظر تسبّب في مشاكل كثيرة للتجار، إذ يتم إغلاق المحلات التجارية في وقت مبكر، قبل الخامسة، مع أن معظمهم مرتبط بسداد أقساط ، وكذلك الحرفيون والمهنيون في مختلف القطاعات، مطالباً بضرورة إلغاء الحظر أو تقليل ساعاته لإتاحة الفرصة للعمل والإنتاج.

ويحدد عبد الله قنديل رئيس غرفة شمال سيناء التجارية شكاوى التجار في تضرّرهم الناتج من قِصر فترة ساعات النهار، ونسبة المبيعات التي لا تغطّي أجور العمالة والإيجارات الباهظة، إلى جانب تأخّر وصول السلع الغذائية، وهو ما يؤدّي إلى حدوث أزمات خلال فترة حظر التجول في السوق المحلي، ما أدّى إلى ارتفاع أسعارها، موضحاً أنهم يتخوّفون من حدوث أزمة حال امتناع الشاحنات عن التوريد للمحافظة، بسبب تشديد الإجراءات الأمنية، وانتظارها على مدخل المحافظة خلال فترة حظر التجوال.

في ذات السياق، كشف مجدي ساطور مدير المبيعات بمصنع سيناء للإسمنت بمنطقة وسط سيناء، عن تأثير فرض حظر التجوال في مدن العريش شمالي سيناء في نقل الإسمنت خارج المحافظة، نظراً إلى أن فترة الحظر كبيرة وتستمر لساعات. كما أن الإجراءات الأمنية المشددة لها تأثير في معدّل دخول وخروج الشاحنات من وإلى المحافظة، موضحاً أن حجم إنتاج مصنع أسمنت سيناء يقدّر بنحو عشرة آلاف طن يومياً، لم يتم إنتاج نصف الكمية منذ بدء العمل بقرار حظر التجوال في 24 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهو ما أدّى إلى ارتفاع أسعار الإسمنت من 550 جنيهاً (77 دولاراً) إلى 680 جنيهاً (95 دولاراً) داخل وخارج شمال سيناء.

دفع المدنيين للالتحاق بالإرهابيين

يتهم رئيس لجنة فضّ المنازعات في محافظة شمال سيناء، حسام فوزي، بشكل صريح النظام القائم بالاستفادة مما يحدث من عمليات إرهابية بشكل مباشر، "لا نعلم عنها شيئاً ولا يضبط أي متورطين فيها"، قائلاً لـ "العربي الجديد": "حظر التجوال ليلاً، وتواصل عمليات الإبادة للمواطنين العزّل وتجريف الأراضي، سواء الزيتون أو الموالح، والهدم، التي يقوم بها الجيش لمنازل المدنيين الذين لا ينتمون إلى أي فصيل سياسي، ولا إلى أي كيان مسلح، ساهمت في دفع الكثير من الشباب للانضمام إلى الجماعات المسلحة الموجودة بسيناء، انتقاماً للضيم والظلم والجرائم التي تمارسها قوات الجيش ضدّ أهلهم وبيوتهم ومزارعهم".

ويحذر أحد رموز قبائل منطقة شرق العريش، رفض ذكر اسمه، من ردّ الفعل الانتقامية، بسبب من اعتقلوا أو قتلوا من قِبل وحدات الجيش في سيناء بسبب الحظر. في المقابل يدافع عبد الفتاح حرحور، محافظ شمال سيناء، عن أهمية الحظر للمواطنين قائلاً لـ "العربي الجديد": "تم فرض حظر التجوال بهدف القضاء على الإرهاب، وتم التنسيق بين الأجهزة الخدمية والأمنية بالمحافظة للتيسير على المواطنين، على سبيل المثال، مواعيد اليوم الدراسي تم تنسيق إنهائها بما لا يؤدّي إلى التعارض مع فترة الحظر".