الحرب العالمية الليبية

26 يوليو 2020
الصورة

تفوقت ساحة الحرب الليبية على نظيرتها السورية، في الأشهر الماضية، في سياق تحولها إلى مرتع لكل أنواع التدخلات الدولية السياسية والعسكرية، إذ لم يعد هناك من فاعل دولي أو إقليمي إلا وأصبحت له مصالح يرغب بتحقيقها في ليبيا، إما عبر تأجيج الصراع أو عبر تهدئة مع مكاسب ملموسة. حتى أن الحرب الليبية باتت تنذر بتوترات دولية، ولا سيما في ظل تصاعد حدة الأزمة بين تركيا وفرنسا، والتي وصلت إلى درجة التهديد بعقوبات، على خلفية التدخل التركي في ليبيا ومشروع ترسيم الحدود البحرية، وما وراءه من اعتبارات لها علاقة بالنفط والغاز، الأمر الذي بات يهدد حلف شمال الأطلسي الذي يوجد فيه الطرفان، غير أن تركيا ليست اللاعب الوحيد في هذا السياق، فهناك الأطراف الفرنسية والإيطالية والروسية، إضافة إلى الدخول الأميركي على خط الصراع، من باب محاولة التهدئة وحماية حقول النفط بشكل أساسي. هذا على الصعيد الدولي، من دون نسيان القوى الإقليمية، سيما الإمارات ومصر، ودعمهما الكبير للواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر ومحاولته الانقلاب على حكومة الوفاق المعترف بها دولياً.

وسط كل هذه التدخلات، تحولت الحرب الليبية من صراع داخلي إلى ما يشبه الحرب العالمية بكل معنى الكلمة، إذ لم تعد الدول الداعمة لكل من المعسكرين المتصارعين تكتفي بالدعم اللوجستي، بل أصبح لها قوات على الأرض، أو أن طائراتها تدخل بشكل مباشر لتنفيذ هجمات ضد هذا الطرف أو ذاك. حتى أن المتحمسين الجدد للدخول إلى الساحة الليبية باتوا يتحدثون من منطلق عسكري، وهو ما يوحي به الكلام عن قوة أوروبية تدخل إلى الأرض الليبية لحماية وقف إطلاق النار، في حال حصوله، وآبار النفط. 

إضافة إلى ذلك، باتت ليبيا ساحة جذب لكل أنواع المرتزقة الذين يقاتلون اليوم، ليس وفق خلفيات أيديولوجية، كما كان الأمر في سورية، بل لأسباب مالية بحتة، وهو ما يكشفه وجود الآلاف من المرتزقة السودانيين والروس وحتى السوريين، الذين استعانت بهم تركيا في دعمها لمعسكر الوفاق.

لا شك أن لهذا الصراع الدولي والإقليمي الدائر على الأرض الليبية علاقة بالثروات التي تكتنزها الأرض والمياه هناك، غير أنه ليس السبب الأساس، فهناك عوامل عدة أخرى تتحكم بطبيعة هذه التدخلات. الأوروبيون، على سبيل المثال، وإضافة إلى الاهتمام بالنفط، لا سيما من قبل فرنسا وإيطاليا وشركاتهما التي تتصارع في ليبيا، مهتمون بشكل أساسي بضبط الهجرة غير الشرعية التي تأخد من السواحل الليبية منطلقاً لها. لذا كان الوجود العسكري الأوروبي هناك، والذي بدأ بالانزلاق إلى تدخل مباشر في ليبيا. 

كذلك هناك عوامل الصراعات الإقليمة والدولية، والتي حولت ليبيا إلى ساحة تصفية حسابات، على غرار الوضع بين روسيا وتركيا، المتفاهمتين في سورية شكلاً، والمتصارعتين في ليبيا بشكل مباشر. الأمر نفسه بالنسبة إلى تركيا وفرنسا. هذا ينسحب أيضاً على التدخل الإماراتي والمصري والسعودي وحربهم الشاملة ضد ما يسمونه "الإسلام السياسي" وكل ما نتج عن الربيع العربي، وهو ما يفعلونه اليوم في ليبيا وسبق أن فعلوه في اليمن، ويحاولون الآن فعله في تونس. والتدخل حالياً في ليبيا بالنسبة إلى هذه الدول يأتي في إطار الصراع مع تركيا والحملة المستمرة على قطر.

مثل هذا التشابك المعقد في الأهداف القائم في هذه "الحرب العالمية الليبية"، يجعل من كل محاولات الحل عصية، وهو ما تظهره كل المؤتمرات والاتفاقات التي وقعت سابقاً لوقف القتال، وما لبثت أن سقطت عند أول اختبار، ليبقى الليبيون رهائن صراع دولي وإقليمي لا يلبث يتسع.