الحراك الدولي واتساع نفوذ "الوفاق" الليبية

21 مايو 2020
الصورة
+ الخط -
بعد مرور عام على الهجوم على العاصمة الليبية، طرابلس، تشهد العمليات العسكرية تحولات عكسية. فقد تمكنت حكومة الوفاق من الصمود أمام الهجمات المتتالية، وكان التغير المهم متمثلاً ببسط سيطرتها على غربي ليبيا، وانسحاب ما بقي من "قوات" اللواء المتقاعد خليفة حفتر إلى أماكن بعيدة أو إعادة انتشارها. ولعل أهمية هذه التطورات تكمن في استكشاف اتجاهات التناول الدولي لانحسار مشروع الحل العسكري وتداعياته المستقبلية، في ظل خيبة آمال بعض الدول في الحسم العسكري، وصعوبة الانتقال إلى المسار السلمي.
وفي ظل هذه التطورات، لم يكن إعلان حفتر نفسه رئيساً، محرّك المواقف الدولية، ولم يكن من الأهمية حتى يفرد له تحليلاً خاصاً، فقد ظل حفتر يعمل كظاهرة صوتية فقيرة الدعم الاجتماعي ومستندة إلى التمويل السياسي. فلم يكن إعلانه إلغاء اتفاق الصخيرات ذا أهمية، حيث لم يعترف به، كذلك فإنه اتبع سياسات إكراه مجلس النواب خارج الاتفاق السياسي. وبهذا المعنى، لا يثبت إعلانه الجديد واقعاً جديداً أو قيمة مضافة لتحالفاته في شرقي ليبيا أو غربيها.
في سياق متزامن مع الإنجاز العسكري لحكومة الوفاق، تظهر ملامح بين الدول لإعادة تقييم موقفها، وفي الوقت نفسه، ظهور فاعلين جدد في السياسة الليبية. وهنا، تبدو أهمية مناقشة الثبات والتغير في سياسات الدول المنخرطة في الأزمة الليبية، وخصوصاً ما يتعلق بتضافر تحالفاتها أو قابليتها لاتخاذ مواقف متجانسة تعزّز الوضع القانوني للمؤسسات الليبية. في هذا السياق، ارتبطت مواقف الدول بميراث انحيازاتها في الأزمة الليبية، ولذلك يمكن تناولها من وجهة القدرة على التأثير في السياسة الليبية أو الدولية.
بشكل عام، بدت الدول المساندة لحفتر غير متقاربة تجاه التطورات العسكرية. وحدها، بدأت الإمارات تتبنّى مواقف علنية في تحشيد الدعم العسكري، وباتت تتصرف من منطلق خطة إنقاذ، عبر تحرّكاتها في السودان وتشاد، لكنها ظلت تواجه تداعيات إخفاق حلفائها في ليبيا في بناء كتلةٍ عسكريةٍ متماسكة، أو تكوين نموذج للحكم في شرقي البلاد، ما يضعف فرصة التحرّكات الحالية في تحقيق هدفها.
وعلى المستوى الإقليمي، انعقد اجتماع تنسيقي بين دول شرق المتوسط المعنية بحقول الغاز؛ 
مصر وقبرص واليونان، بالإضافة إلى فرنسا، في 11 مايو/ أيار الحالي، شاركت فيه الإمارات، وناقش ما أطلقت عليه التطورات المُثيرة للقلق بسبب تنقيب تركيا عن الغاز، لكنه توسع ليتناول التهديدات الأمنية المترتبة عن مذكّرة التفاهم البحرية بين تركيا وليبيا. ولعل إثارة قضايا خارج نطاق شرق المتوسط تشير إلى وجود توجهات لبناء إطار إقليمي لمواجهة تركيا.
وقد يعكس الاجتماع الرباعي نوعاً من المصالح غير المتماثلة لمكوناته، خصوصاً مع انضمام فرنسا غير المتضررة من خرائط شرق المتوسط، واستضافة الإمارات غير المتوسطية، وأيضاً مصر التي تعتبر مستفيدة من وجود الإطار القانوني بين تركيا وليبيا، هذا ما يمكن تصنيفه نوعاً من الروابط الدولية المهتزّة، بشكل يضفي طابعاً سياسياً على المناقشات، حتى صدور قرار تحكيم دولي يحدّد تقسيمات المناطق الاقتصادية الخاصة.
وفي السياق نفسه، على الرغم من تحمُسها لإسقاط معمر القذافي، وقفت فرنسا في حالة وسط، وبينما تقدّم لحفتر دعماً عسكرياً وسياسياً، فإنها، في الوقت نفسه، تتواصل علانية مع حكومة الوفاق، بمعنى أنها تحاول القيام بدور مزدوج يضمن مصالحها، سواء كانت مع وصول حفتر إلى طرابلس أو الحلول مكان إيطاليا. ولذلك، لم تستطع تطوير دورها في ظل اختلاف المواقف الأوروبية حول طبيعة التدخل الدولي في ليبيا، واقتصرت أخيراً على تحليق طائرة عسكرية فوق مصراتة، من دون تقديم دعم للعمليات العسكرية، كما كان يحدث سابقاً، لتعكس نوعاً من التراخي، انتظاراً لوضوح المواقف الدولية.
وفي سياق مقارب، ظلت النجاحات الروسية، على مدى السنوات الماضية، قاصرةً عن الدخول إلى قلب الأزمة الليبية، حيث اقتصرت على استكشاف خريطة القوة من دون التقدّم في إقامة شبكات متماسكة. ومع اندلاع حرب طرابلس، اتجهت روسيا إلى استعادة روابطها القديمة مع نظام القذافي، مصحوباً بخليفة حفتر، لكن محاولتها كانت ضمن الترتيبات القائمة للإمارات العربية، متمثلة بتوريد أسلحة متقدّمة إلى ميدان الحرب، لكنها خرجت سريعاً من الخدمة، بشكلٍ زاد الموقف الروسي ضعفاً، ولعل ظهور ورقة التوصيات الروسية في يد رئيس البرلمان، عقيلة صالح، توضح أنها لم تتجاوز الخطوة الأولى لترتيب تحالفاتها داخل ليبيا.
وعلى مدى اندلاع الأزمة الليبية، استقرت الولايات المتحدة على التعامل مع الوضع القائم من 
دون محاولة تغييرة. ولذلك قامت مواقفها على التواصل مع الطرفين الرئيسيين بصورة مستمرّة. ومع تزايد نفوذ حكومة طرابلس في غربي ليبيا، اتخذت خطوة نحو إدانة الهجوم على طرابلس، كما بيان السفارة في ليبيا في 8 مايو/ أيار الجاري، ولكن بتعبيراتٍ أكثر ليونة، حيث اعتبرته يستهلك الموارد المخصصة لمكافحة الإرهاب ضد تنظيمي داعش والقاعدة في المغرب العربي. ومع تقدّم حكومة الوفاق في المنطقة الغربية، لم تغير السياسة الأميركية توجهاتها، فقد استمرت في التواصل مع فايز السراج وعقيلة صالح، بشكل يتقارب مع البعثة الأممية، في 27 الشهر الماضي (أبريل/ نيسان)، تحضيراً للمرحلة المقبلة. وعلى الرغم من حداثة هذا التوجه، تبدو هناك حاجة لتقوية المسار الجديد، وذلك باعتبار أنه يقع ضمن التسوية السلمية. ويعكس هذا السياق، جانبين مهمين: الأول، أن السياسة الأميركية تنتقل ببطء نحو احتمال استبعاد حفتر من السياسة في ليبيا، بحيث يضطلع مجلس النواب وحكومة الوفاق بالشؤون الانتقالية في المرحلة المقبلة. والثاني، حيث بدا الموقف الأميركي رد فعل عنيف على الدخول الروسي في الأزمة الليبية عبر اتهامها بتعميق الحرب في ليبيا.
وفيما شهدت المواقف السابقة تغيرات محدودة، دخلت تركيا إلى السياسة الليبية بصورة أكثر فاعلية بعد توقيع مذكرتي التفاهم، وبشكل ساهم في تغيير الوضع العسكري عبر بتقديم الدعم المباشر، حيث تعمل على محورين: يتعلق الأول بقضايا البحر المتوسط، بما فيها الغاز والمصالح التركية في ليبيا، وهي تشكل جزءاً كبيراً من السياسة الخارجية. ويرتبط الثاني بتطلع الإمارات العربية للتأثير في الشؤون الداخلية في تركيا، ووجود شكوك حول ارتباطها بمحاولة الانقلاب في يوليو/ تموز 2016 وتمويل المعارضة. وهنا، ترى أنقرة أن تزايد نفوذ الإمارات في المنطقة العربية يشكل تهديداً للمصالح التركية، وبالتالي، تبدو محاولات تفسيرها من منظور التحالف مع حركات الإسلام السياسي ضعيفة مقارنة بالمصالح التقليدية.
وقد ساهم الانقسام حول الحرب الأهلية في ظهور اصطفافات دولية، بين مؤيد حكومة الوفاق، سلطة شرعية، وخليفة حفتر نفوذاً واقعياً. وبمرور الوقت، زادت الانقسامات الدولية بين من يرى أن الأداة العسكرية ستقود إلى العودة إلى مسار الحل السياسي، فيما تذهب أطراف أخرى إلى أن 
العمل العسكري يشكل حلاً نهائياً للأزمة في ليبيا. وبشكل عام، تكشف خريطة التفاعلات الدولية عن غياب تحالف متماسك، وأن الدول تتخذ مواقف حسب مصالحها الخاصة، غير أن اختلاف بعض المواقف أو توافقها يساهم في رسم التوافقات المؤقتة. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أن الدخول الروسي ساهم في تقارب أهداف تركيا والولايات المتحدة تجاه إزاحة حفتر من الغرب الليبي. كذلك فإن اختلاف المصالح يزيد من احتمال ظهور خلافات فريق حفتر إلى العلن، فغياب إطار مشترك للتشاور، فضلاً عن التنافسية فيما بينهم، يعزّز الافتراق بشأن المرحلة المقبلة، فكل منهم يعمل ضمن مصالح غير متطابقة، ولعل ضعف حكومات طرابلس شكل عاملاً مغرياً في تقارب مواقف أعضاء تحالف غير متناسق، تختلف تقييمات كل من فرنسا ومصر والإمارات والسعودية للمصالح الحيوية، وخصوصاً ما يتعلق بزوايا الأمن والاقتصاد، بل ووحدة ليبيا.
على مستوى آخر، قد يفرض الوضع الراهن قيوداً على السياسة الأوروبية، عملية إيريني لفرض حصار بحري، حيث تواجه تحديات من مصدرين: الأول، اتساع الدور التركي والضمان الأميركي لاتفاق الصخيرات، وظهور حلف شمال الأطلسي (الناتو) مظلة أمنية عليا، واعتبار حكومة طرابلس شرعية، ما يضعف فكرة الحصار. ويتعلق المصدر الثاني بالداخل الأوروبي، حيث يلقي الترهل الأوروبي بظلاله على بناء سياسة مشتركة، فلدى تصميم "إيريني"، كانت فرنسا تعمل دون تنسيق مع السياسة الأوروبية، وتجاهل الأوروبيون تنامي دور كل من روسيا وتركيا، وما ترتب عنه من مراجعة الولايات المتحدة موقفها.
وعلى الرغم من أهمية مسار برلين، فإنه يجري في ظل التنافسية الدولية، سواء بين البلدان الأوروبية أو البلدان الأخرى، بحيث تظهر صعوبة العثور على كتلة دولية متماسكة تستطيع صياغة موقف سياسي يمثل حلاً مشتركاً. ولذلك، يتوقف تحقيق إنجاز في الأزمة الليبية على انتقال الدور الدولي من الاستقطاب حول ليبيا لدور الرعاية وفسح الطريق أمام الليبيين للتوافق على الوضع المؤقت ومستقبل النظام السياسي.
ومن المتوقع أن تعمل التطورات العسكرية غربيّ ليبيا على بلورة موقف دولي يميل إلى التسويات السياسية، ليس باعتبارها دعماً لقرارات الأمم المتحدة، بقدر ما هي تعبير عن انحسار الحلول العنفية بعد خسائر الاستثمار السياسي في خليفة حفتر، وتراجع فاعلية الأداة العسكرية ضد طرابلس مرة أخرى، أو تكوين هيكل قيادي لـ"الجيش العربي" يقوم بإحياء المشروع العسكري.
ونظراً إلى تعدد الفاعلين في ليبيا، لن يكون مجدياً احتكار مجلس الأمن تقرير مصير الحرب الأهلية، حيث إن عودتها تستبعد أطرافاً فاعلة من غير أعضاء المجلس. وعلى هذا يكون البديل أن تتضافر الحلول الملائمة لدفع الليبيين إلى الدخول في مرحلة سياسية جديدة، يتراجع فيها الوزن النسبي للنخبة الحالية. ولذلك، تبدو الأولوية في المرحلة الحالية في إقامة حوار مباشر بين الليبيين للتفاهم على مرحلة ما بعد "الاتفاق السياسي"، وخصوصاً الدستور والانتخابات، فقد كان مسار برلين مصمماً على ترقية خليفة حفتر ممثلاً سياسياً مناظراً لفايز السراج، غير أن توسيع نطاق سيطرة حكومة الوفاق يسمح بتجديد دور السياسيين والديناميات الاجتماعية.