الحدود اللبنانيّة - السورية: "اللبوة" من عائلة الأسد

الحدود اللبنانيّة - السورية: "اللبوة" من عائلة الأسد

31 مارس 2014
الصورة
التفجير الذي استهدف بلدة النبي عثمان المحاذية للبوة (getty)
+ الخط -

من هذه الجرود، شمال شرق البقاع، ينطلق جنود حزب الله لمساعدة النظام السوري وإدارة بعض المعارك على الأراضي السورية، وإليها يصل رد ورسائل بعض فصائل المعارضة السورية على شكل صواريخ وقذائف وسيارات مفخخة.

بفعل هذه الأحداث، توتّرت الأجواء كثيراً في الأشهر الأخيرة في المنطقة. أربعة تفجيرات، وعشرات الصواريخ، على وقع تقدّم النظام السوري وحزب الله في الجانب الآخر من الحدود. ومع كل انتصار يعلنانه، تعمّ البهجة والسرور أبناء البقاع الشمالي، فتأتي الصواريخ وأصوات الانفجارات لتنغص فرحتهم. هم محسوبون على الحزب وحلفائه، في السياسة والعقيدة والعسكر. وبين كل هذا المدّ البشري الداعم للنظام السوري، تقع مدينة عرسال التي تختلف مع الجو العام للمنطقة في انتماءاتها وخياراتها، إذ تشكل موقعاً جغرافياً استراتيجياً، على أعلى التلال الفاصلة بين البلدين. موقع يشكل حاضنة لأبناء الثورة بكل ألوانهم، من نازحين إلى مقاتلين. عرسال مع الثورة، أما سائر البقاع الشمالي فهو مع النظام. عرسال تنتمي إلى الطائفة السنية، أما المحيط فشيعيّ بغالبيته. هكذا تحوّلت هذه المدينة إلى تهمة، "تؤوي المقاتلين السوريين وتصدّر الإرهاب إلى البقاع ولبنان"، بحسب ما يقول أهالي البقاع، وتحديداً أهالي اللبوة التي تشكّل المنفذ الوحيد لعرسال، ومنها يمرّ الطريق الشرعي الوحيد الذي يربط عرسال بكافة الأراضي اللبنانية.

زمن الأمن الغابر

من هنا تبدأ ملامح المعركة بالتوضّح. تشكّل اللبوة خط الدفاع الأول من الهجمات الآتية من عرسال، ويمكن لها أن تلخّص واقع أبناء البقاع الشمالي. الأمر الذي استدعى من الدولة اللبنانية، بعد صراع داخلي وتقاعس والكثير من الإهمال، وضع خطة أمنية لضبط الوضع في المنطقة.

فقدت بلدة اللبوة الأمن والاستقرار التي عاشت فيهما منذ زمن بعيد، طوال سنوات الحرب الأهلية، وما سبقها ولحق بها. كما سائر بلدات البقاع الشمالي، عاشت اللبوة أربعين عاماً من الهدوء. دخل إليها الجيش السوري عام 1976، تمركز فيها، وبنى لنفسه ثكنة وحواجز. تحوّلت إلى شبه مقاطعة سوريّة، لا تعرف ما يجري بين الأحزاب والفصائل المتقاتلة في بيروت وغيرها. فاليد السورية منعت كل توتر عن هذا الجزء من البقاع. حتى حرب حزب الله وحركة أمل، التي اندلعت بينهما في نهاية الثمانينيات، لم تدخل المنطقة.

في أيام خلت، شكّلت هذه المناطق البقاعية، بلاد السلام في لبنان، حتى في زمن الأزمة السياسية المعاصرة (2005 ــ 2008) وتوابعها، وصولاً إلى الحرب في سورية. لم يزعزع هذا الهدوء احتلال إسرائيل الجنوب وبيروت، ولا اغتيالات سياسية ولا انسحابات عسكرية. باختصار، كانت جزءاً جغرافياً من سورية، أشبه بمقاطعة سورية في السياسة والأمن. واجتماعياً، كانت كذلك ايضاً، فالطريق إلى مدينة حمص من اللبوة، أسهل من العبور إلى بيروت عبر تضاريس الجبال. أكثر من ثلاثة أجيال تربّت في اللبوة على شاشات التلفزيون السوري الرسمي، بنشرات أخباره وأجهزته السياسية وبرامج الأطفال. إلى أن جاءت الثورة السورية وأحضرت فصولها ومعاركها إلى الحدود اللبنانية، فنسفت كل هذا. لم يعد الخلاف بين أبناء اللبوة وعرسال يتمحور حول التهريب من وإلى سورية. وسقطت براءة العراك بالأيدي على مباراة كرة قدم بين البلدتين. بات الاختلاف في مكان أبعد، وأصبح له وجه مذهبي بشع على حساب دم الشعب السوري.

 

بؤرة عرسال

سبعة كيلومترات تفصل اللبوة عن عرسال. وبين هذه الكيلومترات الكثير من الهضاب. أمنياً، بدأ استهداف اللبوة بالصواريخ منتصف سبتمبر/ أيلول 2013. عشرات قذائف الهاون من عيار 82 وصواريخ من عيار 107 سقطت على البلدة، جرحت القليل من أبنائها، وأصابت ممتلكات خاصة وحدائق. كل هذا الاستهداف لا يمكن إلا أن يكون مصدره عرسال، بحسب ما يقول رئيس بلدية اللبوة، رامز أمهز. ينقل عن الخبراء العسكريين قولهم إنّ نقاط انطلاق هذه الصواريخ "لا يمكن أن تبعد أكثر من ثلاثة أو أربعة كيلومترات من شرق اللبوة". أي عرسال، أو التلال المحيطة بها. يعتقد الأهالي أنه من "الطبيعي أن يكون ردهم هو قطع الطريق المؤدية إلى عرسال، بالإطارات حيناً وبالحواجز حيناً آخر"، وصولاً إلى مارس/ آذار حين رُفعت سواتر ترابية تنهي الحركة نهائياً بين المنطقتين الجارتين.

سواتر لم تنجح على كل حال في منع سقوط الصواريخ على بلدتهم. شعر أهل اللبوة بالعجز عن حماية أنفسهم. لم تتوقف القذائف ولم تهدأ هذه الجبهة المستجدّة. ويقول مسؤول حزبي من البلدة إنّ "الصاروخ لا يقابله إلا صاروخ، والمدفع لا يقابله إلا مدفع". لا الرشاشات تحمي اللبوة، ولا السواتر تعزلها.

دخل الجيش اللبناني إلى عرسال، ومعه حضرت مئات عناصر قوى الأمن الداخلي. رفع أهل اللبوة السواتر عن الطريق، آملين بأنّ هذه الخطة الأمنية ستنجح في حمايتهم. تؤكد القوى السياسية في البلدة على دعم الجيش في ضبط الأوضاع ووقف معركة الاستنزاف والخوف. فيدعو مسؤولون في حزب الله وحركة أمل الدولة إلى "تنظيف عرسال وسحبها من الإرهاب الذي تحتضنه، أما أهالي المدينة فهم جيراننا ولا نريد إلا العيش معهم بهدوء".

في كلام هؤلاء المسؤولين الكثير من الإيجابية والتهدئة، على خلاف حقيقة ما يجري على الأرض. يؤكدون على ضرورة الفصل بين أهالي عرسال "والإرهابيين القادمين من سورية" من جهة، ويقطعون الطرقات عن المدينة من جهة أخرى. فيعاقبون أبناءها بالحصار ويمنعون دخول المواد الغذائية وخروج سيارات الإسعاف، فيضعون جميع العرساليين في خانة الإرهاب.

يعطي أمهز تفسيراً آخر لقطع طريق عرسال، إذ يقول لـ"العربي الجديد" إنّ "هذا الإجراء يتعدّى الاحتجاج، وهو بهدف حماية العرساليين من أي اعتداء قد يطالهم لدى مرورهم في اللبوة".

يحرص أمهز على إبداء الاهتمام بسلامة أهل عرسال، ليؤكد أنّ "ضبط ردود أفعال أبناء اللبوة صعب جداً بعدما توالى سقوط الصواريخ واستهداف المنطقة"، فكان مطلب الجميع إقفال هذه الطريق وأكثر، "وفي كل مرة أحاول ثنيهم عن قطعها أُشتم وأتّهم بالتقصير". كلام يجد فيه كثُر وصفاً حقيقياً لواقع الجوّ العام في البلدة، إذ عملت ماكينات الحقن على أبلسة عرسال ومَن فيها منذ أشهر، فأنتجت هذه المواقف وهذه التداعيات، وباتت مجموعة من خمسة مراهقين في اللبوة، بحسب أمهز، قادرة على تهديد الأمن عبر الاعتداء على سيارات العرساليين بالزجاجات الحارقة أو برميها بالحجارة.

من يعرف اللبوة جيّداً، يدرك أنّها تغيّرت كثيراً، ويفهم أنّ النفس المذهبي الذي كان معدوماً فيها، بات له أثر وجمهور.

 

الخطة الأمنية

مع وضع الخطة الأمنية في المنطقة، وبدء تطبيقها في 19 مارس/ آذار الجاري، هدأت الأجواء قليلاً في اللبوة. نزع كثيرون بزّاتهم العسكرية وعادوا إلى وظائفهم وأشغالهم. ينتظرون ويتابعون بترقّب أوضاع الطريق التي تفصلهم عن عرسال. في مجالس البلدة، أسئلة كثيرة عن قدرة الجيش على ضبط الوضع وتوقيف المطلوبين وتأمين خطة انتشاره في الجرود والتلال المحيطة بتلك المدينة. يسألون عن الغطاء الممنوح لعناصر الجيش. تصل إلى مجالسهم أخبار توقيف العشرات في عرسال، من لبنانيين وسوريين، وأنباء عن مداهمات ينفّذها الجيش. هم غير مقتنعين بنجاح الخطة. لذا يستمرّ التأهب واضحاً في صفوف حزب الله ومناصريه، في السرّ والعلن. فأمام عيون الدولة اللبنانية وعناصر الجيش ودوريّاتها الآلية، يقيم الحزب حاجزين في اللبوة، على مقربة من مدخل الطريق إلى عرسال. يوقف الحاجزان كل السيارات المشتبه فيها، يدققان بهويات ركابها، ويتأكدان من كل التفاصيل. إضافة لذلك، يتحدث أهالي اللبوة عن استنفار استثنائي لعناصر الحزب في أماكن محددة في محيط عرسال، للرصد والمراقبة ومحاولة السيطرة على بعض الهضاب الرئيسية المحتمل أن تكون مقصد المجموعات الإرهابية.

تترك هذه الأخبار في نفوس أبناء البلدة، الكثير من الاطمئنان. وكأنها تعيد إليهم الروح بكون حزب الله لم يترك للجيش وحده مهمة حمايتهم.

تنام اللبوة منذ أسبوع على هدوء لا تعكّره إلا أصوات من خلف الحدود، ناتجة عن معارك تخاض لإسقاط بعض معاقل المقاتلين السوريين المعارضين. معارك يعرف أهل اللبوة قبل غيرهم أنها لن تنعكس إلا مزيداً من الأحداث والتوتّرات، على الأقل مرحلياً، على حياتهم اليومية. رغم ذلك، يصرّ هؤلاء على التمسك بموقف حزب الله. لا بديل لهم غير ذلك، حتى أنّ بعضهم يقول من دون تردّد: "ما العمل؟ فأصلاً اللبوة هي من عائلة الأسد".

المساهمون