الحجر المنزلي يعزل كورونا... ويحسّن جودة الهواء

22 مارس 2020
الصورة
تحسّن ملحوظ في جودة الهواء بعد الحجر (بياتا زاورزيل/GETTY)

سُجّل تحسّن لافت في جودة الهواء في البلدان التي تشهد شللاً شبه كامل للأنشطة الاقتصادية بسبب فيروس كورونا، بفعل تراجع مستويات التلوّث الجوي. لكن لا يزال من المبكر التكّهن بآثار هذا الوضع على المدى الطويل.
إذ أظهرت صور التقطتها الأقمار الاصطناعية التابعة لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، الشهر الماضي، تراجعاً كبيراً في مستوى تركيز ثاني أكسيد النيتروجين الناجم بشكل رئيسي عن المركبات ومراكز إنتاج الطاقة الحرارية، في مدينة ووهان الصينية منشأ وباء كورونا. وبعدما كانت خريطة التلوث في المنطقة باللّونين الأحمر والبرتقالي، انتقلت إلى الأزرق بفعل تقلّص مستويات التلوث.
وسجّلت وكالة الفضاء الأوروبية الظاهرة عينها، مطلع الشهر الجاري، في شمال إيطاليا التي يقبع سكانها في الحجر المنزلي منذ أسابيع لتطويق انتشار الفيروس. كذلك لوحظ الوضع نفسه في مدريد وبرشلونة حيث فرضت تدابير الحجر على السكان منذ منتصف آذار/ مارس، وفق الوكالة الأوروبية للبيئة.
ويسبب ثاني أكسيد النيتروجين التهاباً قوياً في المجاري التنفسيّة، وهو من الغازات الملوّثة ذات أمد الحياة القصير. وأوضح، فنسان هنري بوش، من برنامج "كوبرنيكوس" الأوروبي لمراقبة الأرض لوكالة فرانس برس، أنّ هذا الغاز "يبقى يوماً واحداً في الغلاف الجوي" ويستقرّ على مقربة من مصادر الانبعاثات، ما يجعل منه مؤشراً جيداً لكثافة الأنشطة البشرية، وأضاف أنّ مستويات التراجع هذه غير مسبوقة في حدّتها.


وأوضحت الباحثة في وكالة الفضاء الأميركية، في ليو، في تعليق على تقلّص التلوّث في الصين: "هذه المرة الأولى التي أرى فيها تغييراً إلى هذه الدرجة في منطقة بهذا الحجم بفعل حدث معين". ويقول ألبرتو غونزاليز أورتيز، المختصّ في جودة الهواء في الوكالة الأوروبية للبيئة، إنه حتى في الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008 و2009 كان التراجع "أكثر ثباتاً على المدى الزمني".
ويلفت، فنسان هنري بوش، إلى أنّ مستويات التركيز الوسطي في ثاني أكسيد النيتروجين في شمال إيطاليا، تراجعت إلى النصف تقريباً. لكن ماذا عن المدى الطويل؟ يجيب هنري بوش بأنّه "ينبغي الانتظار قليلاً، لرصد تطور الوضع، إذ في بلدان ومناطق أخرى اتخذت تدابير حجر منزلي، بينها فرنسا وبلجيكا والأرجنتين وتونس وكولومبيا وكاليفورنيا وبافاريا".
لكن كلّ ذلك لا يعني أن الهواء في العالم بات نقياً. ففي الصين، سجّلت بكين محطات تلوّث بالجسيمات الدقيقة في شباط/ فبراير بحسب بيانات مرصد "ناسا إيرث". كذلك الأمر مع باريس التي سجّلت معدلاً متوسطاً على مؤشر التلوّث، رغم تدابير الحجر المنزلي، بفعل وجود جسيمات دقيقة وغاز الأوزون في الغلاف الجوي. ويوضح فنسان هنري بوش أنّ تركيز المواد الملوّثة قد يتغيّر تبعاً للأحوال الجوية. ويضيف أنّ "بعض مصادر الانبعاثات، مثل إنتاج الطاقة وتلك المتّصلة بالسكن، لا تتراجع على ما يبدو عندما يلازم عدد أكبر من الأشخاص المنازل". غير أنه يلفت إلى أن مستويات الجزيئات الدقيقة (2,5 ميكرومتر و10 ميكرومتر) وأول أكسيد الكربون "ستتراجع أيضاً مع الوقت"، خصوصاً بفعل تراجع حركة النقل والصناعة.
لكن ما سيكون الأثر الصحي لهذا الوضع المستجد، فيما يتسبّب تلوّث الهواء بـ 8,8 ملايين وفاة مبكرة سنوياً في العالم، بحسب دراسة حديثة؟ يشير الاختصاصي الفرنسي في معالجة الأمراض الرئوية، برونو أوسيه، في هذا الإطار، إلى أنّ "أي تراجع في التلوّث هو نبأ سار". وعلى المدى القصير، يسبّب التلوث بالجزيئات الدقيقة التهابات في العينين والحلق ومشكلات تنفسيّة. ولدى الأشخاص المسنين أو المصابين بالربو، قد تكون الرعاية الطبيّة لازمة لمعالجة مشكلات تنفسيّة أو قلبية وعائية في الأيام والأسابيع التي تلي التعرض لهذه العناصر. وقد تنتهي الحالات الأكثر خطورة بالوفاة. أما على المدى الطويل، فقد يؤدي ذلك إلى أمراض مزمنة أو تنفسيّة أو قلبية وعائية أو سرطان في الرئة. ويوضح أوسيه أن التزام المنزل قد يتيح "تقليص الالتهابات"، خصوصاً في ظلّ ارتباط جودة الهواء في داخل المساكن بتلك المسجّلة في الخارج.
ويلفت تجمع "إير سانتيه كليما" الطبي الفرنسي إلى أن "تدابير الحجر المنزلي تؤدي إلى نتيجة مضاعفة، سواء من خلال الحدّ من مخاطر انتقال العدوى بين الأفراد أو عبر تقليص التلوّث، خصوصاً بالجسيمات الدقيقة جراء حركة المرور".

(فرانس برس)