الحجرُ الذي صرتُ إليه

08 اغسطس 2020
الصورة
(ألفريديو زالديفار)
+ الخط -

شاعرٌ يقرأ شاعراً آخرَ

حينما أقرأ شاعراً آخرَ
أحاولُ أن أكونَ النصَّ الفرعيَّ،
المساحات الفارغة،
الهوامش
والحدود.
حينما يقرؤني شاعٌر آخر
أكون صفحةً بيضاءَ متأهِّبة.
حينما يقرؤني شاعرٌ ما
أنسى نفسي،
وأتذكَّر دائماً مَن يكون.
وإذا ما قرأتُ شاعراً ما
تذكَّرتُ نفسي دائماً
ونسيْتُ مَن يكون.
حينَ لا أكون شاعراً
لا أقرأُ أحداً
وأصيرُ القصيدة.
قارئاً رديئاً
على الشاعر أن يكون.


■ ■ ■


منحدرات (شذرات)

صباحاً،
شعرتُ بخوفٍ قديم،
خوفٍ متوارث،
أمام عينيّ هذا السمك.

*

من باب الحرص على نفسي
احتفظتُ بحجارة الجار
تحت سقفي الزجاجيّ.

*

كي أهربَ،
بنوا لي جسراً فضيّاً مشعّاً
على حافة الهاوية.
أدركتُ لاحقاً أنَّني العدوّ.

*

أنا النهرُ وخريرُه.
أجيءُ ومعي الحجارة.
كنتُ حجراً
وتدحرجتُ شرقاً.
صرتُ حجراً آخرَ
وتدحرجتُ غرباً.
الآنَ،
أجهلُ الحجرَ الذي صرتُ إليه.


■ ■ ■


معَ العيونِ المُغلقة

أركضُ
في الورق السرّيّ
أسيلُ في رسائل الحبِّ
المُغلقة معَ الليل.
أركضُ
معَ العيونِ النائمة
في طريقٍ لم تعدْ بعدَ اليوم طريقي.
وأسيلُ من جديد
في حبر الليلِ
مُنتظراً بعيوني المُغلقة
الجواب.


■ ■ ■


ورقة

سيلٌ في النهر
موجٌ في البحر
وعلى الجسر خطوات
غيرَ أنَّني على الأرض الراسخة،
لستُ إلَّا ورقةً تطير.


■ ■ ■


حياةُ بُرعم

هنا، في العشرينَ من عمرنا
التقينا في هذا المكان.
هنا سأنتظركِ حينَ تسافرين،
حينَ تحلُّ ساعة الغروب
وتُغلَقُ معَها المظلَّات.
وسنكونُ هناك:
تعويذةُ قميصِك الأبيض مع قدمي اليُمنى
التي تقولُ كلماتِ الوداع ما إن تصل.
سيحدثُ كلُّ هذا بسرعة
الحمَّى الجائحة
أو أكثر.
من دون أسئلة
أو أجوبة
حياتُنا بُرعمٌ غضّ.


■ ■ ■


غادرتُ بيتي

غادرتُ بيتي
وذهبتُ لأسكنَ معَ عُصفورٍ
تحتَ الحَجَر.
سافرنا في قطاراتِ الصباحِ والغروب،
في قطارات
تبحثُ عن نهاية الليل.
اشترينا كلَّ ما نحتاجُه
من أجل الغناء:
سمسمٌ من أجل الجوع
قلاداتٌ للطقوس
سجّادٌ للبرد
تعويذاتٌ لهزيمة الملل
وبخورٌ في وجه الخوف.
غيرَ أنَّ القطاراتِ توقَّفت دائماً
والأنفاقَ انتهتْ في أماكنَ 
لا يبدأ عندَها شيء 
ويموتُ الصوت.
هكذا استسلمنا للصمت والضجيج
لمرآتِنا الأليفة والغامضة. 


■ ■ ■


حياةُ الماءِ

هل عليَّ أن أسيل معَ النهر؟
هل عليَّ أن ألهوَ في البحر
وأتبخَّرَ ولا أنزل،
لأنَّني إن سقطتُ
فسأسيلُ معَ النهر؟
منذُ متى يهطلُ هذا المطر
من السماءِ نفسِها
وعلى الأرض نفسِها؟
منذُ متى يسقط؟
ومن أين تأتي هذه المياه
من الأرض نفسِها
والسماءِ نفسِها؟
منذُ متى تصعد؟
كُتِبتْ علينا دورةُ ماءٍ أبديَّة:
أن نشربَ
ونبصقَ
ونعرقَ
ونتبوَّلَ
ثمَّ نشرب.
إلى متى هذه الدورة الأبديَّة؟


■ ■ ■


أسكن مترحّلاً

لا أؤمنُ بالوداع،
طالما سافرتُ بين القشور
وسكنتُ مترحِّلاً 
دون أن أعرفَ أنني مسافرٌ. 
وما زلتُ مترحلّاً 
أسكنُ في غيابي الذي يطول،
لم تِحنْ ساعة وصولي
فأنا الآن أخفي أوجاعي
ملتفَّاً حول نفسي 
من آثار سقوطي.


■ ■ ■


مع الحجر

حاولتُ أن أسكنَ في حجر،
أن أتحمّل
ثقلَ الغرباء
إيماءاتِ وجوههم،
وازدراء الآلهة. 
تركتُ الحجر
وحبَّ الناس،
وهجرْتُ هويتي.
هكذا تركت العصفور في القفص.
وحلّقتُ نحو حريتي.  


■ ■ ■


لم أكتب قصيدة عن هذي المدينة

لا قصيدةً 
في تلك المدينة، 
عن هذي المدينة. 
كمثل العبد الذي اشترى حظَّهُ:
هل ينفع الحظُّ؟
هل أنا، حقاً، 
حرٌّ؟ 
ومن ماذا؟ 


■ ■ ■


رسالة

أشقّ المسارات،
الطَّرق المغلقة نحو الّليل،
نحو مساء أسود  
ينتظرني
لكي أفتحه
برسالة سريّة، 
بلغة العشّاق التي طواها النسيان. 


* Alfredo Zaldívar شاعر كوبيّ من مواليد عام 1956. إلى جانب الشعر له مغامرات في السرد والنقد والدراسة. نذكر من دواوينه، على سبيل المثال لا الحصر: "أوراق فقيرة" (2003)، و"حزن عميق" (2009)، و"ضدّ العاطفة" (2005)، و"قانون الماء" (1989) الذي اخترنا منه هذه القصائد.  حصل على العديد من الجوائز الوطنيَّة المهمَّة في كوبا، وقد ترجمت أعماله إلى عدة لغات من بينها الإنكليزية. 

** ترجمة عن الإسبانية: جعفر العلوني

نصوص
التحديثات الحية

المساهمون