الحبس الاحتياطي في مصر كأداة للتنكيل السياسي

19 يونيو 2018
الصورة
حياة أبو الفتوح في خطر حقيقي (خالد دسوقي/فرانس برس)
+ الخط -
قبل أيام، أعلن المحامي المصري أحمد أبو العلا ماضي، عضو فريق الدفاع عن السياسي المصري البارز رئيس حزب "مصر القوية"، عبد المنعم أبو الفتوح، تدهور الحالة الصحية لموكله، لدرجة أنه "لا يستطيع المشي أو الوقوف على قدميه، إلا بصعوبة شديدة، مستنداً على من حوله، نظراً لإصابته بانزلاق غضروفي، بينما لا يزال محبوساً انفرادياً"، مضيفاً أنّ أبو الفتوح "لا يستطيع أن يخدم نفسه، ويعاني معاناة شديدة في محبسه، ومع ذلك قرّرت النيابة تجديد حبسه 15 يوماً". ويؤكد ما يتعرّض له أبو الفتوح يومياً منذ القبض عليه في فبراير/ شباط الماضي، على التعسّف من قبل إدارة السجن ضده، ما دفع هيئة الدفاع عنه لتقديم بلاغات وشكاوى للتحقيق في وقائع "حبسه انفرادياً طوال هذه المدة، وحرمانه من التريّض بأماكن التريّض المخصصة لنزلاء السجن كافة، وحرمانه من صلاة الجمعة، وكذلك حرمانه من الحديث أو الاختلاط مع أي من المساجين، ومنع الصحف اليومية أو المجلات عنه"، بحسب المحامي خالد علي.

وقال علي إن أبو الفتوح "ذكر أكثر من مرّة تعرّضه لذبحات صدرية. لكن علامات التدهور العام في صحته كانت بادية بكل وضوح في آخر جلسة، أكثر من أي وقت مضى، حيث جاء من محبسه إلى النيابة للنظر في أمر حبسه احتياطياً، وفوجئنا بإصابته بانزلاق غضروفي، وكان لا يقوى على الحركة أو المشي أو الجلوس إلا بمساعدة آخرين، فطلبنا ضرورة نقله إلى المستشفى، سواء مستشفى السجن أو مستشفى عام أو خاص على نفقته الخاصة".

وأكّد علي أنّ هذا التدهور العام بصحة أبو الفتوح "نتيجة متوقعة وطبيعية في ظلّ الإجراءات التي يستخدمها السجن ضده، والتعسّف في شأن متابعة حالته الصحية، عبر إجراء كشف ظاهري على جسده فقط، وهو ما لا يوضح حقيقة حالته الصحية ولا الآثار التي تركتها الذبحات بالقلب، وكذلك آثار عدم الحركة والبقاء في الزنزانة طوال هذه الأيام، وعدم تمكينه من الذهاب لمركز العلاج الطبيعي في السجن"، مؤكداً أنه "في حال استمرار المعاملة نفسها معه، فإن حياته في خطر حقيقي".

كل هذه الإجراءات التعسّفية تحدث مع شخصية سياسية بارزة بحجم المرشح الرئاسي السابق ورئيس حزب "مصر القوية"، عبد المنعم أبو الفتوح، رغم كثافة التركيز على شخصه وقضيته وشهرتها خارج نطاق مصر. فماذا عن المحبوسين احتياطياً الذين تعجّ بهم السجون ولا يعرف عنهم أحد في الداخل أو الخارج؟

ويسود تخوّف كبير من أن يلاقي هؤلاء وغيرهم مصير أكثر من ألف حالة لمحبوسين احتياطيين تخطّوا المدة القصوى للحبس الاحتياطي، وذلك في أربع محافظات فقط، بحسب تقارير حقوقية مصرية. من بين هؤلاء الصحافي والباحث هشام جعفر، الذي تجاوز مدة العامين في الحبس الاحتياطي من دون أن تحال قضيته للمحكمة المختصة، ورغم ذلك تم تجديد حبسه لأربع مرات بعد انقضاء المدة القانونية، وبعد مرور عامين على حبسه.

وينضم إلى جعفر الباحث إسماعيل الإسكندراني، الذي تمّت إحالة قضيته للنيابة العسكرية بعد عامين كاملين من حبسه احتياطياً لعدم الاختصاص. وحُكم على الإسكندراني، الذي استمر احتجازه احتياطياً منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 وحتى الشهر الماضي، بالسجن 10 سنوات في 22 مايو/ أيار الماضي، من قبل محكمة عسكرية في القاهرة، بتهمة الانتماء إلى جماعة غير قانونية ونشر معلومات كاذبة، أي بعد حوالي 3 سنوات من حبسه احتياطياً.


وأصبحت مسألة "الحبس الاحتياطي" في مصر قضية ذات أهمية كبرى، لخطورتها على حرية الأفراد، خصوصاً في ظلّ إفراط القضاء المصري في اتباع هذا الإجراء بعد 30 يونيو/ حزيران 2013، ليتحول إلى ما يشبه نوعاً من العقوبة، بحسب بحث صادر عن "مركز دعم التحوّل الديمقراطي وحقوق الإنسان"، وهو منظمة مجتمع مدني مصرية.

ويقدّر رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب المصري، علاء عابد، أن عدد المحبوسين احتياطياً في مصر حتى يناير/ كانون الثاني 2018، يراوح بين 25 إلى 30 ألف سجين من إجمالي عدد السجناء الذي يقارب 65 ألفاً. كذلك، تشير تقارير وإحصاءات المنظمات الحقوقية المصرية والدولية إلى أنّ "حالات الحبس الاحتياطي وصلت لعددٍ لم يسبق له مثيل في تاريخ مصر".

وبحسب البحث الصادر عن "مركز دعم التحوّل الديمقراطي وحقوق الإنسان"، "تغصّ السجون المصرية بالمحبوسين احتياطياً على ذمّة تحقيقات أو محاكمات من دون صدور أحكام ضدهم، وقد تطول فترة الحبس الاحتياطي هذه إلى سنوات، قبل أن يعرض المحبوس أمام قاضٍ موضوعي، على الرغم من أنّ أقصى مدة حبس احتياطي يسمح بها القانون لغير المحكوم عليهم هي 24 شهراً".

ويشير البحث إلى أنّ "الأصل في الحبس الاحتياطي هو أنه إجراء قانوني تتخذه سلطة التحقيق أو المحكمة المختصة، لضمان التحفّظ على المتهم في مكان آمن لحين الفصل في الدعوى والاتهامات المنسوبة إليه من جهة، وضمان عدم العبث بأدلة القضية أو التأثير على شهود الواقعة أو الإضرار بالمجتمع من جهة أخرى". لكنه يؤكّد أنّه في ظلّ الممارسات الأخيرة "تحوّل الحبس الاحتياطي من إجراء تحفظّي إلى عقوبة سياسية، وهو ما يعكس فشل المؤسسات الأمنية في بناء قضايا يستحقّ النظر فيها أمام قاضٍ موضوعي، كما يعكس من جانب آخر استسهال انتهاك القانون من دون أي رادع".

ويلفت البحث إلى أنّ الحبس الاحتياطي يعدّ "أحد أخطر الإجراءات القانونية، باعتباره يمسّ بالحرية الشخصية للفرد"، مضيفاً أنه "عندما تطرّق إليه فقه القضاء، وصفه بأنه أبغض الإجراءات القانونية، لأنه إجراء يميل إلى قرينة الإدانة عن البراءة، والأصل في الإنسان البراءة حتى إثبات التهمة".

وفي الخامس من يونيو/ حزيران الجاري، أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن قلقه الشديد إزاء شيوع الاعتقالات في مصر، التي غالباً ما تعقبها أحكام قاسية، وغالباً ما تتم لمجرد ممارسة الحق في حرية الرأي والتعبير والتجمّع. إذ أصبح الاحتجاز التعسّفي مشكلة مزمنة في مصر، حسبما قالت المتحدثة باسم المكتب رافينا شامداساني، مضيفةً "يبدو أنّ حملة متجددة من الاعتقالات والاستجوابات والاحتجاز للنشطاء والمدونين والصحافيين في مصر خلال الأسابيع القليلة الماضية تشير إلى تصاعد كبير في حملة القمع ضدّ الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمّع في البلاد".

ومن بين المحتجزين في شهر مايو الماضي فقط، المدوّن البارز وائل عباس والمحامي وناشط المجتمع المدني هيثم محمدين، بتهم تشمل الدعوة إلى احتجاجات غير قانونية، وشادي الغزالي حرب الذي اعتقل عقب تغريدات نشرها تنتقد خطة الرئيس المصري للتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، وورد أنه قد اتهم بنشر أخبار كاذبة والانضمام إلى مجموعة غير قانونية. وهناك أيضاً المدوّن محمد أكسجين، والناشط شريف الروبي، والكوميدي شادي أبو زيد، والناشطة أمل فتحي، التي اتهمت باستخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للتحريض ضد الدولة ونشر أخبار كاذبة، بالإضافة إلى تهم أخرى.

وقالت المتحدثة باسم مكتب حقوق الإنسان: "هذه ليست سوى بعض الحالات الرمزية من الشهر الماضي فقط. في العديد من هذه الحالات، لم يتم تقديم الأفراد إلى المحكمة. الاتهامات التي يواجهونها تحمل شروط سجن طويلة".

ودعا مكتب حقوق الإنسان السلطات المصرية إلى ضمان حقوق جميع المحتجزين بشكل كامل في سلامتهم الجسدية والنفسية، واتباع الإجراءات القانونية الواجبة. كما دعا للإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين حالياً من قبل السلطات المصرية لممارستهم حقوقهم الإنسانية المشروعة.

المساهمون