الحاج بن دردوش يحيي الكتب القديمة

20 أكتوبر 2016
الصورة
من يرغب في كتاب... فليتفضّل (العربي الجديد)

مستغانم أو "مسك الغنائم"، كما يسميها المؤرّخون، من المدن السياحية الطليعية في الجزائر، إذ تستقطب ستة ملايين سائح في فصل الصيف فقط، نظراً إلى جمال بحرها وبرّها وسمائها. كذلك تنافس هذه المدينة الواقعة على بعد 400 كيلومتر غرب الجزائر العاصمة، مدناً كثيرة في النظافة وحفاوة أهلها. كل ذلك يجعل العقار فيها من أغلى العقارات في الشمال الجزائري.

أن تشتري أو تستأجر محلاً تجارياً في مستغانم، خصوصاً في شوارعها الرئيسية، دليل على أنّك من الأثرياء. فالمبلغ الذي سوف تدفعه ليس بقليل، لكنّ الإشارة تجدر إلى أنّك سرعان ما تسترجعه في حال كانت تجارتك من النوع الاستهلاكي المنسجم مع طبيعة المدينة السياحية. وهذا ما يجعل عيون التجار والحالمين بالثراء السريع، تتجه نحو المحال المغلقة أو القديمة القابلة للتجديد أو المتنازع عليها من قِبل الورثة والمؤهلة، طمعاً في الحصول عليها وتحويلها إلى جنة جديدة.

محلّ واحد بقي عصياً على جميع الطامعين به، هو محلّ الحاج جيلالي بن دردوش (مواليد 1933)، الواقع في الشارع الرئيسي للمدينة. صاحب المحلّ الذي يحمل اسم المناضل محمد خميستي، يرفض تماماً أن يخرج ملكه عن الطبيعة التي أرادها له، وهي أن يكون فضاءً لجمع وبيع وتبادل الكتب القديمة باللغتين العربية والفرنسية.

لا تقل مساحة المحل عن 200 متر مربع، ولا يحتاج إلى إصلاحات مكلفة، حتى يصبح واحداً من أوسع المطاعم أو المقاهي أو الصيدليات، فيدر على صاحبه الملايين يومياً، والدليل أن قيمة تأجيره تصل إلى عشرين مليوناً في الشهر، ما يساوي ألفي دولار أميركي. يقول الحاج بن دردوش إنه كان مستودعاً للشاحنات في الزمن الفرنسي، "ثم حصلت عليه غداة الاستقلال الوطني عام 1962 وجعلت منه فضاءً للتبريد إلى غاية عام 1965، ثم للكهرباء حتى عام 1998، وهي السنة التي بات فيها فضاءً لجمع وبيع الكتب القديمة".

يبرّر الحاج بن دردوش - يُعدّ من أعيان المدينة - الأمر، موضحاً أنّه "في السنة التي حصلت فيها على تقاعدي، كان لا بدّ لي من تجارة تستوعب فراغي وتنفع الناس. فلم أجد غير هذه التجارة". وعند الإشارة إلى أنّه كان قادراً على جعله مكتبة عصرية فيحقق هدفه مع أرباح إضافية في الوقت نفسه، ينتفض سائلاً: "هل تدري أنّنا فقدنا قيمنا الاجتماعية والحضارية حين بتنا خاضعين لهذا المنطق التجاري الصرف؟ وصرنا نبني بيوتاً تشبه العلب، ففقد المبنى الجزائري جمالياته وهويته المعمارية".




هنا، يمكنك أن تجد كتباً لأساطين الأدب والفكر والفلسفة والتصوّف، من أمثال موليير ومصطفى المنفلوطي وجبران خليل جبران وابن عربي وغادة السمّان ومحمد ديب وأغاتا كريستي. وليس مستبعداً أن تجد "حواش"، بعضها مدبج بملاحظات مالكيها الأصليين وأسئلتهم وانطباعاتهم. ويلفت الناشط فتح النور بن إبراهيم، إلى أنّه "بإمكاننا من خلال هذه الحواشي رصد طبيعة الهواجس التي كانت تسيطر على القارئ الجزائري خلال العقود الماضية، ومعرفة طريقة تعاطيه مع الكتاب والإشكاليات الفكرية والفلسفية والأدبية".

أما مصادر هذه الكتب فهي، بحسب الحاج بن دردوش "أرامل يأتين بمكتبات أزواجهنّ الراحلين، إما لضيق مساكنهنّ وإما للحصول على المال. بعضها يمثّل كنوزاً، فيباع سريعاً. كذلك، ثمّة من يتبرّع بكتبه أو كتب فقيد له مجاناً، فلا أطلب في هذه الحالة إلا مبالغ رمزية". إلى ذلك، فإنّ "من يرغب، يستطيع إحضار كتاب بدل آخر يأخذه. همّي هو أن يقرأ الناس لا أن أجني أرباحاً".

خلال وجود "العربي الجديد" في المحلّ، دخل رجل حاملاً كيساً من الكتب، ألقى التحيّة وسلّم الكيس وخرج من دون طلب أيّ مقابل. لا يهتمّ الحاج بن دردوش بعرفة الرجل، ويقول: "ما يهمّ هو أنّ الناس يعرفون أنّ كتبهم تصل إلى من يحتاجها. أنا لست تاجراً. أنا وسيط خير. وإذا حضر من يحتاج هذه الكتب وهو غير قادر على الدفع، بإمكانه أخذها من دون مقابل".

إلى ذلك، يشير ياسين، وهو أحد الشباب في الجوار، إلى أنّ البعض يرى في الحاج بن دردوش متعسفاً في حقّ أبنائه وأحفاده. يضيف أنّ "المحلّ يجني الملايين، وليس من الصواب تضييعها من أجل كتب تجاوزها الزمن". أمّا آخرون، فيرون أنّه يمثّل الضمير الحيّ لساكن المدينة الرافض لهيمنة المادة على حساب الجوهر. فيقول مصطفى: "رسالة عمّي الجيلالي لنا هي أنّ الحياة ليست مالاً فقط. شخصياً، كنت لأفعل الأمر نفسه، مع بعض التحسينات والأفكار الجديدة".

وعن موقف أبنائه وأحفاده من ذلك المحلّ التي جعله صاحبه مغايراً لما حوله، يقول الحاج بن دردوش إنّهم قبل كلّ شيء من جيل يتطلع إلى التجارة المربحة، خصوصاً في محلّ يتوسط الشارع الرئيسي في مدينة سياحية. ويلفت إلى أنّه "منذ البداية، عقدنا اتفاقاً يقضي بأن أتصرّف بالمحل مثلما أريد، من دون أن يناقشوني. وهم، بعد رحيلي، يفعلون به ما يريدون من دون أن ألومهم على ذلك".

دلالات

تعليق: