21 يوليو 2015
الحاجة إلى المهدي المنجرة
رمضان مصباح الإدريسي (المغرب)
ليست هذه القناعة وليدة الوفاة، ولا تندرج في سياق المرثيات، خصوصاً الرسمية منها، التي تنتبه، متأخرة غالباً، إلى أن البنك المغربي للمادة الرمادية فُقد، سهواً ليس إلا، عن فقدان رقم صعب من رصيد الذكاء الوطني. ومن سعد الطالع العالمي، أن يكون هذا العالِم ذا بعد إنساني، وليس مغربياً فقط؛ ما جعله يفتح حسابات رمادية متعددة عبر بنوك العالم، لا سيما البنك الياباني. ستظل هذه الحسابات، كما كانت قيد حياته، نشيطة في بناء المستقبل.
قناعتي هذه لازمتني منذ قراءاتي الأولى معادلاته الحضارية، السوسيواقتصادية، والقيمية، التي لا تفارق المجاهيل، إلا وهي منكشفة تحت الشمس. وعليه، يبدو لي أن وفاة المهدي المنجرة، بكل أسى الفقد الذي بعثته في النفوس، لا تنفصل عن مشروعه العلمي الكبير الذي نذر حياته له. ولو استفتيناه في تدبير هذه الوفاة لأومأ، قبل كل الطقوس المعروفة، إلى المستقبل، وقال: "استثمروا موتي في تدبير مستقبل المغرب، الآن الماضي لي، أما المستقبل فلكم". فمن رثى المهدي المنجرة، خارج هذا الإطار، هو شاعر يقف على الطلل باكياً، من دون أن يفكر في إعادة بنائه؛ لأن البناء يقتل شعر الأطلال.
نحن إزاء وفاة غير عادية؛ فهل يموت من عاش في المستقبل؟ وقد كنا إزاء حياة مغربية غير عادية أيضاً، لعالم انتهى مستثمراً في قيم عالمية، بعد أن بدا له أن حاجتنا لم تكبر بعد إلى مستوى علمه التوقعي. ما الحاجة إلى المنجرة، وهو يُعَقِّدنا بنِسب الناتج الداخلي، المستثمرة وطنياً في البحث العلمي. أتخمتنا انتصاراتنا الحضارية القديمة، فما الحاجة إلى من يتعبنا بمتطلبات حرب كونية قيمية؛ هزيمتنا فيها أكيدة. كيف لنا أن نستثمر هذا الفقد باعتباره آخر دروس المنجرة المستقبلية؟
على رئيس الحكومة المغربية، عبد الإله بنكيران، وقد أوصل العالِم إلى مثواه الجسدي الأخير، أن يواصل خطواته الجنائزية صوب بنك الذكاء المغربي، يجب أن يوضع نظام ما لهذا البنك، كما هو حاصل مع المحروس بنك المغرب. لا أحد يجادل في أن نهضة العالم الغربي تأسست على العلماء وفلاسفة الأنوار قبل المال. ولا نختلف حول أن المال لا يساوي الحضارة دائماً، ولنا أكثر من مثال في عالمنا العربي، الآخذ اليوم في الذوبان كقطعة شمع، في وقت تطاول أبراجه الزجاجية عنان السماء. فلا خير في برنامج حكومي، لا تعيش فيه غير الأرقام، خال من الروح المغربية، ومن التراكمات المعرفية. لا خير في قاموس حكومي رئاسي لا يخجل من علماء المغرب الأموات والأحياء.
يؤكد المرحوم المهدي المنجرة أن المستقبل الآن لنا، بعد أن فك مجاهيل معادلاته، وفق ما توفر له من معطيات رسمية وغير رسمية. لكن، لا يمكن أن يكون هذا المستقبل لنا، ونحن لم نصل إلى الحسم بعد، بشأن مشروعنا التنموي العام. فلا يمكن أن نكون من المنخرطين في المشروع الوطني، انخراط المهدي المنجرة، ونحن لا نخجل من تقديم الجاهل على العالم ليشرع لنا، أو يخطط لتنميتنا.
عاش المنجرة عدواً لدوداً للغطرسة والاستبداد، منذ أن لَكَمَ، في شبابه، المسؤول الأمني الفرنسي في إفران، جواباً على حديثه التحقيري، مع مرافقه، عندما شاهدوا شاباً مغربياً في المسبح، فقال: ما دامت السباحة مسموحة هنا للعرب، فلماذا لا يسبح حتى الكلاب؟ قال هذا وأطلق العنان لكلبه ليقفز الى الماء، فخرج المنجرة من الماء غاضباً، وكانت اللكمة بفاتورة أيام في السجن، لكنها حددت مساراً دراسياً كاملا. مباشرة عقب الحادث، قرر المنجرة الوالد ألا مستقبل لابنه في المغرب المستعمر. فرحل المهدي، طالباً للعلم، إلى الولايات المتحدة، ولم يعد إلا في ركاب المرحوم محمد الخامس، مديراً للإذاعة الوطنية الفتية. ولأن العالم هنا أكثَرَ من الحاجة إليه، عاود الرحيل، مراراً وتكراراً، إلى أن رحل إلى جوار ربه، رحمه الله.
قناعتي هذه لازمتني منذ قراءاتي الأولى معادلاته الحضارية، السوسيواقتصادية، والقيمية، التي لا تفارق المجاهيل، إلا وهي منكشفة تحت الشمس. وعليه، يبدو لي أن وفاة المهدي المنجرة، بكل أسى الفقد الذي بعثته في النفوس، لا تنفصل عن مشروعه العلمي الكبير الذي نذر حياته له. ولو استفتيناه في تدبير هذه الوفاة لأومأ، قبل كل الطقوس المعروفة، إلى المستقبل، وقال: "استثمروا موتي في تدبير مستقبل المغرب، الآن الماضي لي، أما المستقبل فلكم". فمن رثى المهدي المنجرة، خارج هذا الإطار، هو شاعر يقف على الطلل باكياً، من دون أن يفكر في إعادة بنائه؛ لأن البناء يقتل شعر الأطلال.
نحن إزاء وفاة غير عادية؛ فهل يموت من عاش في المستقبل؟ وقد كنا إزاء حياة مغربية غير عادية أيضاً، لعالم انتهى مستثمراً في قيم عالمية، بعد أن بدا له أن حاجتنا لم تكبر بعد إلى مستوى علمه التوقعي. ما الحاجة إلى المنجرة، وهو يُعَقِّدنا بنِسب الناتج الداخلي، المستثمرة وطنياً في البحث العلمي. أتخمتنا انتصاراتنا الحضارية القديمة، فما الحاجة إلى من يتعبنا بمتطلبات حرب كونية قيمية؛ هزيمتنا فيها أكيدة. كيف لنا أن نستثمر هذا الفقد باعتباره آخر دروس المنجرة المستقبلية؟
على رئيس الحكومة المغربية، عبد الإله بنكيران، وقد أوصل العالِم إلى مثواه الجسدي الأخير، أن يواصل خطواته الجنائزية صوب بنك الذكاء المغربي، يجب أن يوضع نظام ما لهذا البنك، كما هو حاصل مع المحروس بنك المغرب. لا أحد يجادل في أن نهضة العالم الغربي تأسست على العلماء وفلاسفة الأنوار قبل المال. ولا نختلف حول أن المال لا يساوي الحضارة دائماً، ولنا أكثر من مثال في عالمنا العربي، الآخذ اليوم في الذوبان كقطعة شمع، في وقت تطاول أبراجه الزجاجية عنان السماء. فلا خير في برنامج حكومي، لا تعيش فيه غير الأرقام، خال من الروح المغربية، ومن التراكمات المعرفية. لا خير في قاموس حكومي رئاسي لا يخجل من علماء المغرب الأموات والأحياء.
يؤكد المرحوم المهدي المنجرة أن المستقبل الآن لنا، بعد أن فك مجاهيل معادلاته، وفق ما توفر له من معطيات رسمية وغير رسمية. لكن، لا يمكن أن يكون هذا المستقبل لنا، ونحن لم نصل إلى الحسم بعد، بشأن مشروعنا التنموي العام. فلا يمكن أن نكون من المنخرطين في المشروع الوطني، انخراط المهدي المنجرة، ونحن لا نخجل من تقديم الجاهل على العالم ليشرع لنا، أو يخطط لتنميتنا.
عاش المنجرة عدواً لدوداً للغطرسة والاستبداد، منذ أن لَكَمَ، في شبابه، المسؤول الأمني الفرنسي في إفران، جواباً على حديثه التحقيري، مع مرافقه، عندما شاهدوا شاباً مغربياً في المسبح، فقال: ما دامت السباحة مسموحة هنا للعرب، فلماذا لا يسبح حتى الكلاب؟ قال هذا وأطلق العنان لكلبه ليقفز الى الماء، فخرج المنجرة من الماء غاضباً، وكانت اللكمة بفاتورة أيام في السجن، لكنها حددت مساراً دراسياً كاملا. مباشرة عقب الحادث، قرر المنجرة الوالد ألا مستقبل لابنه في المغرب المستعمر. فرحل المهدي، طالباً للعلم، إلى الولايات المتحدة، ولم يعد إلا في ركاب المرحوم محمد الخامس، مديراً للإذاعة الوطنية الفتية. ولأن العالم هنا أكثَرَ من الحاجة إليه، عاود الرحيل، مراراً وتكراراً، إلى أن رحل إلى جوار ربه، رحمه الله.
مقالات أخرى
19 يونيو 2015
12 يونيو 2015
06 يونيو 2015