الجيش المصري يبتلع أراضي الشعب: مسلسل بلا نهاية

09 اغسطس 2019
الصورة
انخرطت هيئات الجيش بجميع الأسواق(محمد الشاهد/فرانس برس)
لم يعد مستغرباً في مصر أن يُصدر رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي بصورةٍ شبه دورية، قرارات بتخصيص مساحاتٍ شاسعة من الأراضي الصحراوية أو الساحلية لوزارة الدفاع، لأغراضٍ شتى، بعضها يكون معلناً وموثقاً في قرارات التخصيص، وبعضها الآخر تكون أغراضه غامضة وغير معروفة. وبعد سنوات، يؤول مصير هذه الأراضي لتصبح من المشروعات الاستثمارية أو السياحية أو العقارية للجيش، ممثلاً في هيئاته المختلفة التي تنخرط في جميع الأسواق تقريباً، بدءاً من الإنتاج الزراعي والحيواني والسمكي، مروراً ببيع الغاز والبنزين والسلع الاستهلاكية بالتجزئة، وصولاً إلى مزاحمة وزارة البترول في إدارة بعض المشروعات.

وكانت أحدث حلقة من سلسلة التخصيص، مرّت يوم الثلاثاء الماضي، بإصدار السيسي قراراً يقضي بتخصيص أربع قطعٍ أرض بمساحة إجمالية تتجاوز مليون فدان، على أجناب محور شرق القناة - شرم الشيخ، سيؤدي ترابطها والتوصيل بينها إلى حجز معظم مساحة الضفة الشرقية لخليج السويس لصالح الجيش لاستخدامها في أغراض مختلفة لم يوضحها القرار، وترجح مصادر حكومية استغلالها في إنشاء مزارع ومصانع تابعة لجهاز الخدمة الوطنية وأجهزة أخرى في الجيش، منفردة، بدون التشارك مع مستثمرين محليين، وذلك استدلالاً بتصرف الجيش في الأراضي التي سبق أن خصصت له في جنوب سيناء.


كما أصدر السيسي قراراً آخر بتخصيص مساحة 17 ألف فدان تقريباً في المنطقة الشاطئية بجنوب الزعفرانة، وهي من المناطق التي تقوم فيها حالياً مشروعات تنمية سياحية، و46 ألف فدان تقريباً في المنطقة الشاطئية بـ"خليج جمشة"، ستكون مجاورة لمساحاتٍ أخرى خصصتها هيئة التنمية السياحية لمجموعة من المستثمرين بغرض الاستغلال السياحي، ومنطقة رأس بناس كاملةً بمساحة 139 ألف فدان تقريباً، لصالح وزارة الدفاع، على أن تعتبر "مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية لا يجوز تملكها". وجميع هذه المناطق تقع على الساحل الشرقي لمصر ومُطلّة على البحر الأحمر، علماً أن منطقة رأس بناس تضم حالياً مطاراً تشغله القوات المصرية الجوية، كان قد أنشأه الاتحاد السوفييتي كقاعدة عسكرية له في المنطقة عام 1964. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، ظلّت الحكومة تفكر في استغلال المنطقة سياحياً وإنشاء "مارينا" لليخوت فيها، لكن عروض المستثمرين المتعلقة بها واجهت عراقيل، مثل عزلة المنطقة وعدم إقامة شبكة طرق جيدة فيها، وهو على ما يبدو الهدف الأساسي لعملية التخصيص الأخيرة، إذا ما وضعت في السياق الاقتصادي الحالي، وسعي السيسي لاستغلال جميع المناطق الساحلية في إنشاء منتجعات سياحية بأسرع وقت ممكن، وإسناد مهمة إنشاء الطرق المؤدية للعديد منها إلى الجيش منفرداً.

ولا ينفصل القراران الأخيران، على مستوى الأغراض ومساحة الأراضي، عن مسلسلٍ طويل من قرارات التخصيص للجيش نقلاً من الملكية العامة أو الخاصة للدولة وهيئات أخرى تابعة لها، تعيش مصر حالياً عامه السادس. وكان عام 2014، وهو العام الذي وصل فيه السيسي للحكم، نقطة انطلاق لهذا المسلسل، بدأ فيها الجيش التوسع دون هوادة في ضمّ الأراضي بكل محافظات مصر تقريباً، وكانت البداية بتخصيص 133 فداناً في منطقة إدكو شمال محافظة البحيرة، وإعادة تخصيص حديقة الأسرة بالقاهرة الجديدة بالكامل للجيش بالمنشآت التي عليها. وفي عام 2015، أصدر السيسي قراراً وحيداً بتخصيص مساحاتٍ مملوكة للدولة شرق قناة السويس في محاذاة الإسماعيلية، للجيش أيضاً، ودون توضيح الهدف من التخصيص.

وشهد عام 2016 نقطة تحولٍ حقيقية، تمثلت في إصدار الرئيس المصري قراراً جمهورياً غير مسبوق، قضى بتخصيص كيلومترين كاملين في عمق الصحراء على جانبي 21 طريقاً جديدة، لصالح وزارة الدفاع، ما حوّل الجيش فعلياً إلى أكبر مالك للأراضي القابلة للتنمية والترفيق والتطوير والاستثمار في البلاد، ومنحه ميزةً تنافسية على حساب الحكومة وهيئاتها المدنية، وكذلك المستثمرين، ما يعكس رغبة السيسي في تعظيم موارده مقابل إضعاف الجهاز الإداري وإفقاره. وعلى الفور، تمّ تسجيل استحواذ الجيش على هذه الأراضي حول الطريق الدائرية الإقليمية التي تشمل طرق الإسكندرية الصحراوي، الواحات، الفيوم، الصعيد الغربي والشرقي، العين السخنة، السويس والإسماعيلية، والتي تربط بين القاهرة الكبرى والصعيد والقناة بالكامل، وطريق بني سويف الزعفرانة، وطريق الإسماعيلية العوجة، وطريق طابا رأس النقب، وطريق رأس النقب نويبع، وطريق العريش رفح، وطريق شرق بورسعيد شرم الشيخ، ومحور 30 يونيو الواصل بين الإسماعيلية والدلتا، ومحور الضبعة بجميع وصلاته، وطريق بني مزار الواحات، وطريق الواحات الفرافرة، وطريق أسيوط الفرافرة، وطريق عين دلة سيوة، وطريق سيوة جغبوب، وطريق جنوب الفيوم الواحات، وطريق الفرافرة عين دلة، وطريق أسيوط سوهاج البحر الأحمر، ووصلة طريق الشيخ فضل بطريق رأس غارب، ووصلة طريق المنيا رأس غارب، وطريقي قنا سفاجا، ومطروح سيوة.

هذا القرار رفع حدّ طموحات التخصيص للجيش إلى عنان السماء، لتتوالى القرارات، بتخصيص 44 فداناً في جزيرة فرسان، و72 فداناً برأس سدر، و238 فداناً بالمنيا الجديدة، وثمانية آلاف فدان بغليون بكفر الشيخ لإنشاء مزرعة إنتاج سمكي، وهي المزرعة التي افتتحت مرحلتها الأولى من دون أن ينعكس إنتاجها إيجاباً على أسعار الأسماك المتزايدة في الارتفاع بالسوق المصرية. كما خصصت مساحة من الأرض بميناء الأدبية، و290 فداناً بالعين السخنة، و90 فداناً بأسوان، وكل هذا في عام 2016 فقط.

وفي عام 2017، أصدر السيسي قرارات بنقل المساحات التالية من الملكية العامة للشعب والدولة إلى الجيش: 141 ألف فدان بشرق العوينات مخصصة للاستثمار الزراعي، و15 ألف فدان غرب وصلة الضبعة بمحور الضبعة بمطروح بالقرب من شاطئ البحر المتوسط، وفدانان اثنان بالوادي الجديد لإنشاء محطة وقود، و361 فداناً بمطروح، ومساحات ببني سويف، وخمسة أفدنة لإنشاء منتجع الجلالة العسكري بهضبة الجلالة، وثمانية آلاف فدان بجرزا بأكتوبر لإنشاء مشروع الصوب الزراعية الذي افتتحه أيضاً في العام التالي، ولم يؤد كما كان موعوداً، إلى انخفاض أسعار المحاصيل الزراعية في السوق المحلية، إذ إن معظم إنتاجه يخصص للتصدير وتذهب عائداته بطبيعة الحال للجيش.

والعام الماضي، أصدر الرئيس المصري قراراً بتخصيص أرضٍ للجيش في منطقة الروبيكي الصناعية، لإنشاء مدبغة خاصة بوزارة الدفاع، ثم خصص 125 فداناً في البحيرة لإقامة مجمع طاقة لإنتاج الغازات، و17 فداناً بالعين السخنة، و95 فداناً برأس سدر، و3500 فدان بمطروح، و232 فداناً بمطروح أيضاً كمزرعة للإنتاج السمكي، ثم عاد ليخصص سبعة آلاف فدان كاملة بتوشكى للاستثمار الزراعي، و243 ألف فدان بشرق العوينات للغرض ذاته، و891 فداناً بالقاهرة على الطريق الدائرية جنوب المطار لإقامة مشروع لم يدشن بعد، و1350 فدانا بالبحيرة للاستثمار في الإنتاج الحيواني.

وفي عام 2019، وقبل أن يُصدر القرارين الأخيرين، نزع السيسي فداناً في جزيرة الزمالك بقلب القاهرة من الهيئة العامة للتنمية الزراعية وخصّصه للجيش، ثم خصّص له قطعتي أرض في برج العرب بالقرب من المطار، و1547 فداناً برأس سدر للاستثمار السياحي، و80 فداناً بالأقصر لغرض غير معلن، ومساحة جديدة من الأرض في توشكى للاستثمار الزراعي بواسطة جهاز الخدمة الوطنية.


ويصعب بطبيعة الحال حصر جميع عمليات التخصيص التي تمّت خلال هذه الفترة، حيث رصدت "العربي الجديد" القرارات السابقة من واقع نشر معظمها في الجريدة الرسمية، وتقديم بعضها ضمن مستندات تتعلق ببعض القضايا المدنية والإدارية، علماً أن هناك طريقة أخرى كان يتبعها الجيش منذ عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك لوضع يده على أي مساحة أرضٍ تحلو له، وهي الإقدام على تسجيلها مباشرة في الشهر العقاري كأراضٍ تحت سيطرته، باعتبارها "مناطق عسكرية ذات أهمية استراتيجية"، بزعم تطبيق قرار رئيس الجمهورية رقم 152 لسنة 2001، بشأن تحديد المناطق الاستراتيجية ذات الأهمية العسكرية، رغم أن هذا القرار كان ينطبق فقط وقت صدوره على الأراضي الصحراوية.

ولا يمكن فصل هذه السلسلة من قرارات التخصيص عن قرارٍ جمهوري آخر، يمكن اعتباره مفصلياً رغم عدم تسليط الضوء عليه، وهو الذي يحمل رقم 446 لسنة 2015، ومنح فيه السيسي صراحةً الصلاحية للجيش لـ"تأسيس الشركات بكافة صورها، سواءً بمفرده أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي"، وذلك بهدف تجهيز وإعداد مدن ومناطق عسكرية، والقيام بجميع الخدمات والأنشطة التي من شأنها تحقيق أهدافه وتنمية موارده، وذلك بواسطة جهاز وزارة الدفاع المختص ببيع الأراضي والعقارات المملوكة للدولة التي تخليها القوات المسلحة.

وبمراجعة القرارات لاستيضاح المناطق الأكثر استهدافاً للتخصيص، يتبين التركيز على الأماكن التي يمكنها احتضان استثمارات ناجحة في المجال السياحي، تحديداً عبر إقامة منتجعات وفنادق، مثل رأس سدر والساحل الشمالي وجنوب سيناء وساحل البحر الأحمر والعين السخنة، علماً أن الجيش افتتح خلال هذا الصيف منتجعاً سياحياً جديداً في منطقة مميزة بين برج العرب و"مارينا" تحت مسمى "توليب"، امتداداً لسلسلة الفنادق التي أنشأها في القاهرة والإسكندرية. أما في المرتبة الثانية، فتأتي المناطق التي يجري استثمارها لأغراض الإنتاج الزراعي والحيواني والسمكي، فيما تحلّ في المرتبة الثالثة تلك المخصصة لمشروعات الطاقة، وهنا تجدر الإشارة إلى أن معظم محطات الوقود التي يفتتحها جهاز الخدمة الوطنية لا تتطلب إقامتها تخصيصاً جديداً، لأنها تقع في حيّز أراضٍ سبق تخصيصها على جوانب الطرق.

وتتكامل قرارات التخصيص مع قانون التعاقدات الحكومية الذي أصدره السيسي العام الماضي، متضمناً السماح لجميع أجهزة الجيش والإنتاج الحربي، والداخلية أيضاً، بإبرام عقود المقاولات والخدمات والاستيراد بطريق المناقصة المحدودة أو المناقصة على مرحلتين أو الممارسة المحدودة أو الاتفاق المباشر دون اتباع المناقصات أو المزايدات العامة. وشكلت هذه الخطوة تكريساً وتقنيناً لوضعٍ غير دستوري قائم على التمييز الإيجابي لتلك الجهات على باقي الوزارات والشركات بدعوى "حماية الأمن القومي"، وهو المصطلح الذي يبلغ من الاتساع ما يمكّن كل جهة من تفسيره كما تشاء، وما يضمن لها أن تدرج تحته كل تعاقداتها، علماً بأن المشروع يضمن "سرية استثنائية" لخطط البيع والشراء المندرجة تحت اعتبار "الأمن القومي" بعدم نشر أي معلومات عنها على بوابة الخدمات الحكومية الإلكترونية.

ولا تمارس أي سلطة الرقابة الإدارية أو المالية على تصرفات الجيش وأجهزته، رغم دخوله - نظرياً - ضمن الجهات الخاضعة لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات. وسبق لـ"العربي الجديد" أن نشرت في الخامس من يناير/ كانون الثاني 2018 تفاصيل الصدام بين الجيش والمستشار هشام جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، بسبب إقدام الأخير على تفعيل هذا الدور الرقابي إزاء صندوق "تحيا مصر" الذي أنشأه السيسي في يونيو/ حزيران 2014 وأوكل مهمة الإشراف عليه لهيئة الشؤون المالية التابعة لوزير الدفاع، التي رفضت بشكل قاطع السماح لموظفي الجهاز المركزي بذلك أسوةً بمنعهم من الاطلاع على أي مستندات تخص مشروعات أجهزة الجيش.